عن نادية ومدرس الغرب

الصورة من موقع تربية بريس - tarbiapress.net
هل‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعلق‭ ‬ذلك‭ ‬المدرس‭ ‬المسكين،‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬ينشر‭ ‬غسيله‭ ‬وغسيل‭ ‬تلميذته‭ ‬على‭ ‬الملإ،‭ ‬في‭ ‬المشنقة‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬صور‭ ‬نادية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحسن‭ ‬رسم‭ ‬معالم‭ ‬رقم‭ ‬خمسة‭ ‬على‭ ‬السبورة‭ ‬السوداء،‭ ‬وجعلها‭ ‬موضوعا‭ ‬دسما‭ ‬لمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؟

وهل‭ ‬كان‭ ‬ضروريا‭ ‬أن‭ ‬تبادر‭ ‬وزارة‭ ‬السيد‭ ‬رشيد‭ ‬بلمختار‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬بلاغ‭ ‬شديد‭ ‬اللهجة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬هذا‭ ‬المدرس،‭ ‬وتحيله‭ ‬على‭ ‬المجلس‭ ‬التأديبي‭ ‬لارتكابه‭ ‬جرما‭ ‬اعتبره‭ ‬الوزير‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬العفو‭ ‬والصفح؟

ما‭ ‬الذي‭ ‬حرك‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬خطوة‭ ‬مدرس‭ ‬الغرب‭ ‬لكي‭ ‬يبادر‭ ‬إلى‭ ‬التصوير‭ ‬والنشر؟‭ ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬المسكين‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬طريقة‭ ‬ليقول‭ ‬لنا،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬مدارسنا‭ ‬حيث‭ ‬التلاميذ‭ ‬لا‭ ‬يحسنون‭ ‬القراءة‭ ‬ولا‭ ‬الكتابة‭ ‬ولا‭ ‬الحساب،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬لا‭ ‬يحسن‭ ‬رسم‭ ‬الأرقام،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بالحروف؟

ثم‭ ‬هل‭ ‬جاءنا‭ ‬هذا‭ ‬المدرس‭ ‬المسكين،‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬لكي‭ ‬ينشر‭ ‬فيديو‭ ‬جديد‭ ‬مليء‭ ‬بالدموع‭ ‬والاستعطاف‭ ‬عما‭ ‬حدث‭ ‬له،‭ ‬بفتح‭ ‬مبين،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬عنه‭ ‬فيديو‭ ‬نادية‭ ‬هو‭ ‬الأصل؟‭ ‬ألم‭ ‬تكشف‭ ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬الوزير‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع،‭ ‬عن‭ ‬أرقام‭ ‬مخيفة‭ ‬حول‭ ‬نسبة‭ ‬التلاميذ‭ ‬الذي‭ ‬يفتقرون‭ ‬لأبجديات‭ ‬التعلمات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬عنوانا‭ ‬من‭ ‬عناوين‭ ‬أزمة‭ ‬المدرسة‭ ‬المغربية‭.‬

ثم‭ ‬فوق‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الأجدر‭ ‬أن‭ ‬نحاسب‭ ‬وزير‭ ‬التربية‭ ‬الوطنية‭ ‬السابق،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يصور‭ ‬تلميذة‭ ‬لا‭ ‬تحسن‭ ‬رسم‭ ‬خطوط‭ ‬رقم‭ ‬خمسة،‭ ‬لكنه‭ ‬دعاها‭ ‬لكي‭ ‬تبحث‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬زوج‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تشغل‭ ‬مقعدا‭ ‬دراسيا؟

ألا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬اليوم‭ ‬هذا‭ ‬المراكشي،‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬السياسة‭ ‬اليوم‭ ‬جمله‭ ‬الأثيرة‭ ‬حول‭ ‬‮«‬أوباما‭ ‬باباه‮»‬،‭ ‬والتلميذة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬زوج‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬دروس‭ ‬الصف‭ ‬الابتدائي‭.‬

لقد‭ ‬أعادنا‭ ‬مدرس‭ ‬نادية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الوزير‭ ‬الوفا،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭  ‬سوء‭ ‬حظه‭ ‬أنه‭ ‬كلف‭ ‬بحقيبة‭ ‬وزارية‭ ‬تشبه‭ ‬حقل‭ ‬ألغام،‭ ‬هي‭ ‬حقيبة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭. ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬بهدوء‭ ‬وتأن،‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬السير‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها،‭ ‬والتي‭ ‬دفعت‭ ‬به‭ ‬لمغادرة‭ ‬هذه‭ ‬الوزارة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قال‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬إن‭ ‬التعليم‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الاختلالات‭.‬

كان‭ ‬المنطق‭ ‬يفرض‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬الوفا‭ ‬تلك‭ ‬الحكومة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خسر‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭. ‬لكن‭ ‬حكومة‭ ‬بنكيران،‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬اعتقدنا‭ ‬أنها‭ ‬حكومة‭ ‬سياسية‭ ‬احتكمت‭ ‬لصناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وجاءت‭ ‬بمنطوق‭ ‬فقرة‭ ‬دستورية‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬المنهجية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وعلى‭ ‬نهاية‭ ‬وزراء‭ ‬بدون‭ ‬لون‭ ‬سياسي،‭ ‬تشبثت‭ ‬ببقاء‭ ‬الوفا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غادر‭ ‬حزبه‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭. ‬أما‭ ‬الوصفة‭ ‬الجديدة،‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬الوزير‭ ‬المراكشي‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬الحكامة‭.‬

وما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬مدرس‭ ‬نادية‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬امتدادا‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬مارسه‭ ‬الوزير‭ ‬على‭ ‬تلامذتنا،‭ ‬مع‭ ‬فارق‭ ‬كبير‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الوفا‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬للمشتغلين‭ ‬في‭ ‬قطاعه‭ ‬العبرة‭ ‬والدرس‭. ‬درس‭ ‬التعامل‭ ‬بهدوء‭ ‬ورزانة‭ ‬مع‭ ‬التلاميذ،‭ ‬لا‭ ‬تعنيفهم‭ ‬لفظيا‭ ‬وماديا‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬بما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المدرس‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬لا‭ ‬تربوي‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬تلميذة،‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة،‭ ‬مهما‭ ‬تكن‭ ‬المبررات‭ ‬والدوافع‭.‬



صحيح‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬الوطنية،‭ ‬التي‭ ‬سارعت‭ ‬إلى‭ ‬الإدانة،‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المدرسين‭ ‬الاشتغال‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬صعبة‭ ‬بفضاءات‭ ‬لا‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يؤدوا‭ ‬مهامهم‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الأكمل‭. ‬وليتأمل‭ ‬الوزير‭ ‬تلك‭ ‬السبورة‭ ‬السوداء‭ ‬التي‭ ‬اعتبرها‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الجريمة،‭ ‬كم‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المدرس‭ ‬مكرها‭ ‬لتدريس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬في‭ ‬حجرة‭ ‬درس‭ ‬واحدة‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬واحدا‭ ‬ممن‭ ‬يقطعون‭ ‬الكيلومترات‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مجموعته‭ ‬المدرسية،‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬إكراهات‭ ‬النقل‭ ‬والظروف‭ ‬الطبيعية‭. ‬لذلك،‭ ‬فخلاصة‭ ‬القول‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬الوطنية،‭ ‬ومن‭ ‬خلفها‭ ‬مجتمع‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬لمحاسبة‭ ‬هذا‭ ‬المدرس‭ ‬المسكين،‭ ‬مطالب‭ ‬بمحاسبة‭ ‬وزير‭ ‬القطاع‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بدر‭ ‬منه‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حسابا‭ ‬عسيرا‭. ‬أما‭ ‬مدرس‭ ‬نادية،‭ ‬فلا‭ ‬نملك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬بشأنه‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الحكماء‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬أصيب‭ ‬رأسي‭ ‬بالصداع،‭ ‬فليس‭ ‬علاجه‭ ‬أن‭ ‬يقطع،‭ ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬يعطى‭ ‬الدواء‮»‬‭. ‬ومدرس‭ ‬نادية‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬للدواء،‭ ‬احتراما‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لسنوات‭ ‬عمره‭ ‬التي‭ ‬أفناها‭ ‬في‭ ‬التدريس،‭ ‬والتي‭ ‬تفوق‭ ‬الثلاثين‭.‬


المساء - أحمد امشكح العدد :2549 - 09/12/2014
تربية بريس
تربية بريس
تعليقات