قِفْ تِلْكَ هِي َمَشَاكِل ُالتَّعْلِيمِ المدرسي

قطاع التعليم قطاع استراتيجي حيوي، يتوقف عليه تطور المجتمعات وبناء الأمم والحضارات، قطاع استثماري بامتياز؛ بالمعنى العلمي للكلمة؛ هو – إذن- مُؤشر من مؤشرات قوة المجتمعات ورقيها وازدهارها.

يَعْرف هذا القطاع مشاكل بالجملة، فحيثما انطلقت واتجهت تحصي مشكلات ومعضلات ومطبات وكوارث؛ إذ لا تكاد تنتهي، ينطبق على الوضع قول المغاربة : (منن ما ضربتي لقرع يسيل دمو).

تبادر الوزارة المحترمة الوصية على القطاع مبادرات هنا وهناك وهنالك، ولكنها بعيدة بعيدة عن صلب المشكل، بل يمكن القول إنها تتفادى أصل الداء ومصدر البلاوي، مغردة خارج السرب.


(وعليه) فلا مجال للحديث عن المنهاج ولا المقرارت ولا البيداغوجيات ولا التكوينات ولا برنامج مسار ولا أهلية الأساتذة ولا موضوع لغات التدريس ولا إصدار المذكرات تلو المذكرات ولا الحديث عن الإصلاح بأساليب الإنشاء الأدبية ... والفقاعات التي ترسل تباعا تشتت الأنظار تصرفها عن الحقيقة وتعطل الإصلاح المنشود وتكرس للأسلوب الموجود.

سأشير بصفتي ممارسا في الميدان راكمت ما تيسر من تجربة وواكبت أغلب المستجدات في مواضيع التربية والتعليم المدرسي، ساردا وملخصا أهم المعيقات والمشاكل التي تتفاداها الوزارة الوصية على القطاع، بل وتعتبر بعضها من المسلمات التي لا ينبغي مناقشتها أو الوقوف عندها، لدرجة أنها في مشاورات سابقة، منذ سنتين تقريبا، طالبت فيها الباحثين والمختصين أن يدلوا بدلوهم في إشكاليات المدرسة واشترطت عدم التركيز على الاكتظاظ، فلا ندري أين وصلت تلك الآراء والحوارات والمنتديات ؟؟؟ (لا أقصد المشاورات الحالية التي تضمنت تقريرا مهما يعكس الواقع، ولا ندري هل سيسفر عنه شيء يذكر أو سيوضع على الرفوف كما وضع سابقوه)

المشكلة الأولى: الاكتظاظ وما أدراك ما هو، فالفصل الدراسي ببنيته الحالية وآلياته وتجهيزاته ومداخله البيداغوجية والديداكتيكية، على قلتها أو انعدامها أو اهترائها، لن تتحمل أكثر من ثلاثين متعلما.

فتستحيل تنزيل أي مقاربة بيداغوجية أو ديداكتيكية أو تواصلية في أجواء الاكتظاظ المسلم به رسميا، ذلك الاكتظاظ الذي أبت الوزارة إلا أن تشرع له بمذكرة تجعل العدد 45 ليس اكتظاظا، فما هو الاكتظاظ سيدتي الوزارة المحترمة ؟؟؟

بل إن أقساما كثيرة؛ يدرس فيها أبناء المغاربة طبعا؛ تجاوزت العدد بأرقام !! وعلة الوزارة أن لا نحرم المتعلمين من الدراسة، يعني أن الأفضل أن نراكمهم في الفصول تحت مسمى محاربة الهدر المدرسي وتحت مسميات أخر، بدل التوظيف والبناء بالشكل الذي يضمن للمتعلم فضاء متسعا حيويا، تتوافر فيه ظروف التعلم.
طيب إذا كانت الوزارة تقر بهذا الوضع المكتظ في الفصول، فأقترح عليها بناء مدرجات مصغرة تسوعب 100 متعلم، بدل أقسام صغيرة، بمكبر صوت وشاشات تفاعلية، وستتمكن من ضم أقسام في مدرج وتقليص عدد الأساتذة والتقليص من الأجور التي ترهقها وتلتهم من الميزانية كثيرا – كما تصرح به !

- المشكلة الثانية: التنجيح المعمول به في مستويات كثيرة،(دعه يمر دعه ينجح) فيتدفق المتعلمون للصفوف الموالية تباعا بنسب كبيرة، تحت مسمى فلسفة محاربة الهدر المدرسي، من غير تحقق الكفايات الأساسية والممتدة والبنية المعرفية والمهارية والقدرات المطلوبة ... فيجد الأستاذ (ة) نفسه أمام ضحايا مدفوع بهم، لذلك يتساءل المدرسون والمدرسات تساؤلا إشكاليا:
(هل أترك المنهاج جانبا، لأعلم المتعلم ما يجهله من مبادئ وأولويات لم يتمكن منها في السنوات الخاليات أو أنطلق غير آبه بالسابقات المنسيات مسابقا زمن المقررات وتتابع الوحدات؟

- للإشارة فالأولويات والمنسيات كثيرات؛ لا يمكن تداركها في جزء من حصة أو من خلال دعم عابر أو مراجعة مندمجة، لأنه دأبنا في العمل. نراجع ونعود ونربط السابق باللاحق قبل الانطلاق، ولكن الأمر أكبر مما نتخيل)

عندما نساهم في رفع نسب النجاح بدون تحقق الكفايات والقدرات المسطورة في المنهاج والبرامج، نساهم في خلق متعلم فاشل غير مؤهل لا يتفاعل مع مدرسيه في الأقسام الموالية، لأنه مدفوع به، ومن العسير تدارك ما فات دفعة واحدة، بل يستحيل في كثير من الأحيان، الأمر الذي يدفع المتعلم إلى الشرود والتيه في الساحة وداخل الفصل، فيتحول من متعلم طالب للدرس إلى عنصر مشوش لا يجد ضالته إلا في القيل والقال والغياب والانغماس في المحيط المدرسي المتوحش والشرس... وينعكس ذلك سلبا على المدرسين الذين لا يستطيعون أداء مهامهم مع هؤلاء المتعلمين المدفوع بهم (...)

أقترحُ على الوزارة الوصية على القطاع تغيير البرامج لتتلاءم مع متعلم مدفوع به في إطار صفقة (مدرسة النجاح لمحاربة الهدر المدرسي) خصوصا في مستويات التعليم الثانوي بسلكيه، برامج تركز على عدد محدود من الكفايات ضمانا لمواكبة تلك الفئة ... وإضافة مجزوءات أخرى للمتفوقين ستعتمد بشكل تدريجي لتصير إجبارية بعد تحسن المستوى، كما يجب إدماجُ التعليم الأولي ضمن المدارس العمومية في كل مؤسسات المملكة مع التركيز على العالم القروي، حيث يكون أغلب الملتحقين من المتعلمين والمتعلمات من الذين لم يستفيدوا من التعليم الأولي، والبرنامج في التعليم الابتدائي يفترض في المتعلم أن يكون قد تلقى تعليما أوليا، مما ينتج عنه شرخ وتعثر تظهر آثاره مباشرة.

المشكلة الثالثة: ينبغي أن تسند الإدارة التربوية ( مدير – حارس عام – ناظر...) في المؤسسات التعليمية بناء على معايير علمية دقيقة بعيدة عن منطق الأقدمية (والشيخوخة) والشهادات أو التكليفات التي يمكن أن يقال عنها كثير، فليست الإدارة ملجأ للراحة والاستجمام وقضاء ما تبقى للتقاعد أو باحة استراحة !! ...

يجب أن تسند الإدارة لكفء يحمل صفات المدير (القادر على إدارة المشاكل والباحث عن الحلول، لا أصناف ينتجون مشاكل تنضاف لمشاكل التعليم) مدير بمعنى مدير يعمل بمشروع مضبوط في الزمان والمكان مخطط له سلفا، مشروعه حيوي شرطه أن تتحقق الجودة في التسيير والتدبير والتعلم والمواكبة والتقييم ( هنا نتحدث بشكل أو بآخر عن صلاحيات المدير والإدارة التربوية ... وهذا مشكل آخر، مشكل الإملاءات والتدخلات ...)

فنحيى من هذا المنبر الإداريين والإداريات الجدادين والجادات، وأشير في نفس السياق أنه من الواجب المنطقي أن يتساهل مع كل إطار لم يستأنس من نفسه القدرة على إتمام المشوار بتقاعد نسبي أو صيغ أخرى مناسبة، إذ لا يعقل أن نلزمه بالعمل وهو غير قادر... فلا نطلب الجودة.

- المشكلة الرابعة: لا يكاد يخفى على المدرسين والمدرسات أن سلطة المؤسسات التربية غدت في خبر كان، خصوصا بعد صدور مذكرات، ظاهرها الدفاع عن مصلحة المتعلم وباطنها تدمير سلطة المدارس وإدارات المؤسسات التربوية، فتحولت المدارس إلى فضاءات مفتوح (بالمعنى التسيبي) تنعدم فيها الزواجر والروادع، طبعا بعد استنفاد الحلول التربوية والبيداغوجية المتاحة ...

إن نَزْعَ السلطة التربوية أو محاولة التقليص منها تحت أي طائل وعدم تعزيزها بالتوجيهات والتشريعات الصارمة المتوازنة، التي تضمن للمؤسسة حرمتها وكرامة العاملين فيها، لكفيل بتدمير شعب، بله مؤسسة تربوية (...)

وما المذكرة الأخيرة عنا ببعيدة، 17 أكتوبر 2014، بشأن القرارات التأديبة المتخذة من طرف مجالس الأقسام، المذكرة القاضية بعدم أحقية مجالس الأقسام في طرد المتعلم إذا ارتكب مخالفة تقتضي ذلك، مقابل تكليفه بأعمال البستنة ...

السؤال المطروح: هلْ تكليف المتعلم بالبستنة والنظافة وتقديم الخدمات في الداخليات عمل قانوني؟
ماذا لو رفعت الأسرة دعوى قضائية لأن المؤسسة تسببت في تحطيم معنويات ابنها أو ابنتها، أو كونه تعرض لحادث أثناء عمليات البستنة أو النظافة ؟؟؟ نترك الإجابة لخبراء القانون (...)

طبعًا نحن مع حقوق المتعلمين، ولكن المطلوب هو التوازن مع حقوق وصلاحيات العاملين في المؤسسات التربوية، تضمن كرامتهم وتشجعهم على المباردات الإصلاحية.

فماذا يحصل بالضبط؟
عندما تُضَيِّق الوزارة الوصية على القطاع بمذكرات تحد من الصلاحيات التربوية والتأديبية والانضباطية فإن السادة الأساتذة والإدارة التربوية تفهم الرسالة، ولكنها لا ترضى أن تتحول مدارسنا إلى تجمعات فوضوية (...) عندما تحد من صلاحياتي التربوية، وكأنك تقول لي: دع الأمر كما هو ولا تتدخل (يعني التسيب) - فلا نرضى لمؤسسنا أن تتحول إلى تجمعات متسيبة (...)

الواجب إعادة الاعتبار للعاملين في المؤسسات التربوية من أساتذة وإداريين وأطر أخرى، لأن هيبة الإطار التربوي من هيبة المدرسة، وذلك مؤثر في الجودة إن بشكل مباشر أو غير مباشر، كما ننسى شعارا طال ما تغنينا به، ربط المسؤولية بالمحاسبة أو ربط الترقيات والامتيازات بالفعالية، نحاسب المخل أو المتهاون ولكن ينبغي تحفيز الجاديين.

بقلم حنافي جواد
تربية بريس
تربية بريس
تعليقات