الدروس اللصوصية

بقلم : ذ. حسن اعراب

تفشت ظاهرة "الدروس الخصوصية" في المجتمع بشكل كبير , شأنها في ذلك شأن باقي الظواهر الإجتماعية السلبية من قبيل الرشوة و العنف ...و قد كانت هذه الظاهرة لعقودٍ مضت حكراً على ميسوري الحال وترفاً يشار إليه في الغالب بالسلب والنقد، وانتشرت اليوم بلا ضوابط أو رقابة لتجتاح سائر الشرائح الاجتماعية , فقليلون هم الآن الذين لا يتعاطون هذه الدروس، والذين ينظر إليهم على أنهم الأقلّ حظاً في المكانة أو النجاح سواء بين المدرسين أو التلاميذ , فهي اليوم مرادف للنجاح و الإنتقال إلى مستويات أعلى بمعدلات مرتفعة تخول للحاصلين عليها ولوج الجامعات و المعاهد المختلفة لا سيما تلك ذات الإستقطاب المحدود , و قد أضحت مفروضة على الأسر كغيرها من الضروريات الحتمية التي تفرضها مستلزمات الحياة••• أولياء يشمئزون لسماعها، التلاميذ يركضون وراءها والأساتذة يتنافسون من أجلها بل و يدخلون في صراعات و اصطدامات من أجل الظفر بالزبائن في ما يشبه حربا شرسة تنطلق في بداية كل موسم دراسي و تستعمل فيها كل الأسلحة المباحة •• إنها الدروس الخصوصية التي أخلطت الحابل بالنابل و فاقمت أزمة قطاع التعليم و أربكت ميزانية العائلات وعرّضت العملية التربوية برمتها إلى خطر محذق على اعتبار أن النجاح أصبح مرتبطا بها••
و من خلال نقاشات هادئة حاولت من خلالها استجماع أراء بعض الفاعلين التربويين حول خطورة هذه الظاهرة و حول المراسلة الوزارية الأخيرة التي صدرت في شأن المنع التام لهذه الدروس و تكريس الجهود للرفع من مستوى المتعلمين من خلال الحصص الرسمية , سأحاول بسط هذا الموضوع من وجهة نظر الجميع :
1- الأستاذات و الأساتذة :
ينقسم هؤلاء ( ممن شاركونا المناقشة ) بين مؤيد للمنع و رافض له , فالمؤيدون لمنع الدروس الخصوصية يعزون ذلك لنفس الأسباب التي وردت في المراسلة الوزارية , حيث يرون في هذه الدروس استنزافا لميزانيات الأسر لا سيما الفقيرة منها , و ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ , كما أنها تنتقص من القيمة الرمزية لرجل و مرأة التعليم و تقزم صورته في المجتمع باعتبارهما حاملين لرسالة نبيلة تتمثل في تربية النشئ لا في "حلبه"
بينما يبرر معسكر الرافضين لمنع الدروس الخصوصية بكون أن الوزارة الوصية هي من يضرب مبدأ تكافؤ الفرص و الإستحقاق من خلال اعتماد الخريطة المدرسية التي تنتج أجيالا من التلاميذ غير قادرين على مسايرة التعلم في مستويات أعلى , و من خلال فرض مقاربات غير ذات جدوى للتدريس لا تلائم خصوصيات و إمكانات المدرسة العمومية مما يعيق جودة الفعل التربوي و يحط من قيمة و جودة التعلمات ( البرامج المثقلة و المناهج التقليدية و الإكتظاظ ) , مما يجعل مستوى التلاميذ متدنيا جدا و يستلزم خضوع بعض التلاميذ لدروس للتقوية في ظل عدم قدرة الوزارة على تفعيل مقاربات الدعم التربوي في المؤسسات التعليمية . و من جهة أخرى يتجلى "تجني" الوزارة على نساء و رجال التعليم (حسب رأيهم) في عرقلة الترقيات و تدني أجور عدد كبير منهم و انحباس أفق الترقي لديهم مما يجعلهم عرضة لمواجهة مفتوحة مع الفقر لا ينفع معها سوى بذل مجهودات إضافية في الدروس المسائية " الخصوصية" لسد تكاليف العيش المرتفعة لا سيما بالوسط الحضري .
2- التلاميذ :
"المدرسة لا تسد جوع المعرفة لدينا .. و الدروس الخصوصية ملاذنا الوحيد "
عبر معظم التلاميذ عن حاجتهم للدروس الخصوصية لكون ساعات الدراسة في فصول المؤسسات التعليمية لا تكفي للتطرق لكافة جوانب الدروس التي يتلقونها , مما يجعل في نظرهم , الأستاذ يدخل في سباق ضد الزمن لتلبية الحاجيات التربوية الرسمية امتثالا منه لمتطلبات الإدارة و المفتشين , فوتيرة التدريس بالقسم سريعة جدا , و الأستاذ في القسم يكون متشنجا و عصبيا طوال الحصة و لا يطيق من التلاميذ من يشوش عليه خلال الشرح , بينما في المساء خلال الدرس الخصوصي , يكون مرتاحا و لطيفا و يتابع عن كثب كل تلميذ على حدة . و رغم الأعباء المادية المرتفعة فهذه الدروس تبقى مفيدة جدا للمتعثرين من التلاميذ و تمكنهم من تدارك ما لم يفهموه في المؤسسة . و تبقى مجهودات الأساتذة الرسميين و بعض الطلبة و حاملي الشهادات العاطلين عن العمل محمودة في أعين التلاميذ .
إلا أن عدد من التلاميذ عبروا عن امتعاضهم من بعض الممارسات الصادرة عن بعض المدرسين خاصة أولائك الذين يبتزون تلامذتهم و يساومونهم للإستفادة من دروس الدعم مقابل الحصول على المعدل في فروض المراقبة المستمرة , و يصف أحد التلاميذ هذا الأمر بالغريب إذ كيف أصبحت بعض المواد الدراسية المعروفة بسهولة استيعابها لدى عموم التلاميذ مدرجة على لائحة الدروس الخصوصية في حين كان الأمر مقتصرا على المواد العلمية و بعض اللغات الأجنبية ... و يرى بعض التلاميذ أن في الدروس الخصوصية غبنا لهم حيث تحوّلت إلى وسيلة غش في الامتحانات فرضت حتى على التلاميذ النجباء الجلوس على مقاعد الدروس التدعيمية الموازية بسبب منافسة أصحاب المستوى التعليمي الضعيف لهم وانتزاعهم لعلامات لا يستحقونها بفضل ما يدفعونه من أموال في هذه الأقسام الخاصة لمدرس نفس المادة

3- أولياء الأمور :
" الدروس الخصوصية واقع مفروض علينا .. و نتمنى أن تتابع الوزارة هذا الأمر بصرامة لتعفينا من مصاريف أثقلت كاهلنا .."
إذا كانت قلة من أولياء الأمور ميسوري الحال يرون في الدروس الخصوصية فرصة لتميز أبنائهم في المدارس , و يتفاخرون بعدد المدرسين الخصوصيين الذين يلجون سكناهم , فإن السواد الأعظم منهم يعتبرون هذه الظاهرة قلة بل و انعدام مسؤولية من طرف المدرسات و المدرسين و سعيا غير مشروع لتحقيق أرباح مادية دون اكتراث بالوضعية المادية للأسر , و يحملون بذلك المسؤولية كاملة للسلطات الوصية في ضبط المتاجرين في العملية التعليمية و معاقبة المخلين بالواجب . فالحصص الخصوصية تلتهم جزءا مهما من الميزانية , و يتفاقم الأمر عندما يكون في الأسرة عدد من الأبناء يتابعون دراستهم في مستويات مختلفة . و يشبه جل الأباء هذه الظاهرة بالرشوة التي استشرت في قطاع كان في مخيلة المجتمع حصنا منيعا ضدها ..ناهيك عن ظروف إجراء هذه الدروس الليلية و التي تنتفي فيها غالبا ظروف السلامة و شروط التحصيل العلمي السليم إذ يعمد بعض المدرسين إلى كراء مرائب للسيارات أو منازل أيلة للسقوط أحيانا و يزج بالتلاميذ بداخلها , كما أن هذه الدروس الخصوصية لا تعود إلا بالخيبة و الخذلان حيث لا تحقق ما يرتجى منها حين يرسب التلميذ .
4- رأي خبراء التربية :
يجمع خبراء التربية و علم النفس الإجتماعي أن الدروس الخصوصية أصبحت موضة في المجتمع , و بغض النطر عن التداعيات الإجتماعية لهذه الظاهرة و وقعها على منظومة العلاقات داخل المجتمع , فإن لها انعكاسات سلبية مباشرة على شخصية التلميذ و تهز ثقته بنفسه , حيث تؤدي إلى الركود العقلي، والكسل الإدراكي، والوهن المعرفي، والاعتمادية على اعتبار أنه تجعله يفضل الإتكالية و انتظار المعلومة الجاهزة بأقل مجهود , و يترتب عن ذلك سلوكات لا تربوية كالإهمال و التعاطي السلبي داخل الفضاء المدرسي من شغب و عنف ,
ويمكن تشبيه الدروس الخصوصية بالحقنات المساعدة (المنشطات) التي تعطى للشخص لتأدية مباراة رياضية، فيكون أداؤه نتيجة هذه الحقنات وليس نتيجة الجهد والتصميم والإرادة النابعة من داخله. ويجب أن يكون لدى الطالب هدف، فإذا لم يستند على الإرادة القوية والاعتماد على النفس لن يحققه بالشكل المطلوب.
و من جهة أخرى يرى بعض الباحثين أن المدرس يستنزف عادة مخزونه الطاقي في الفصل الدراسي و لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يبذل أي مجهود في المساء عدا الأنشطة التربوية الإعتيادية كتصحيح الإمتحانات و تخطيط الدروس , و أن أي عطاء جيد للمدرس في الفصل سيكون على حساب الدرس الخصوصي و العكس صحيح .
كلمة أخيرة :
نكاد نجزم بأن سلبيات الدروس الخصوصية أكثر من إيجابياتها , و بقدر ما ولدت لدينا مراسلتي السيد وزير التربية الوطنية ارتياحا و اطمئنانا على مستقبل فلذات أكبادنا ( المراسلة الخاصة بمنع العنف و المراسلة الخاصة بمنع الدروس الخصوصية) و شعرنا بأن الوزارة قد ردت الإعتبار للمتعلمين من خلال منع تعنيفهم ثم منع ابتزاز أولياء أمورهم , فإننا لا زلنا ننتظر خطوات صارمة أخرى من السيد الوزير ترد هذه المرة الإعتبار للمدرس و المدرسة من خلال الإلتفات إلى وضعيته المادية لتحسين دخله و وضعه المعيشي بما يتناسب مع رسالته التربوية السامية التي من المفروض أن ينذر نفسه لها , و من خلال تعزيز وضعه الإعتباري في المجتمع عبر تجريم الإعتداء عليه ماديا و معنويا , ثم عبر فتح أفاق واعدة أمامه للإرتقاء في مهنته و للنهوض بمستواه التكويني بما يحقق الجودة المرجوة من النظام التعليمي لبلادنا
تربية بريس
تربية بريس
تعليقات