رقمنة المدرسة المغربيَّة تصطدمُ بالتمويل وإكراه "البوادي"

التسلِيم بالمنافع التِي بوسع التكنلوجيَا أنْ تجلبها للمدرسَة المغربيَّة، فيمَا يشقُّ النظامُ التعليمِي طريقهُ نحو "الرقمنة" بكثير في دولٍ العالم، أججَ أسئلةً شائكة في اليومِ الثانِي من ندوة "المدرسَة الرقميَّة" حولَ السبيلِ إلى إدخالِ التكنلوجيَا وتوظيفها، والتمويل اللازم، وكذَا التفاوتات التي تنذرُ بها العلميَّة، على اعتبار أنَّ مدارسًا في العالم القروِي لا تزالُ غير موصولة بالكهرباء فيما يجرِي التفكير في تطوير المنظومة رقميًّا.

التمويل..عقبةً كبرى

الإشكالُ المتصلُ بالتمويل يثيرهُ الكاتب العام لوزارة التربية الوطنيَّة، يوسف بلقاسمِي، في الندوة المنظمة من قبل مؤسسة "زاكورة للتربية"، بالدار البيضاء، شارحًا كيفَ أنَّ عمليَّة توزيع لوحات رقميَّة على التلامِيذ المغاربَة الذِين يبلغُ عددهم سبعة ملايين، إذا احتسبت الواحدة منها بـ 50 دولارًا، تستلزمُ 2.5 مليار درهم، في الوقت الذِي تبلغُ حصَّة الوزارة من الميزانيَّة العامَّة للدولة 45 مليار درهم، تذهبُ 40 منها إلى الأجور، ويذهب ملياران آخران إلى الدعم الاجتماعي كالنقل المدرسي، ويتمُّ تقسيمُ الملايير الثلاثَة المتبقيَّة على جوانب أخرى مرتبطة بالتسيير والأكاديميَّات، مما يعنِي أنَّ ثمَّة صعوبة في إيجاد التمويل.

وفيما يخشى متابعون كثر أنْ تفضِي الرقمنة إلى تعميق الهوَّة بين مدارس المدن ونظيرتها في البوادي، يؤكدُ المتحدث أنَّ من غير العملِي انتظار تزوِيد جميع المدارس بالكهرباء قبل الشروع في الرقمنة، على اعتبار أنَّ الخطوة طموحة، كمَا من غير الممكن انتقاد أشياء لمْ يجر إنجازهَا بعد.

أيُّ الصفحات يرتاد التلميذ المغربي؟

من جانبه، تطرق مدير المعهد الوطني للبريد والمواصلات، بدر الدين بنعمر، إلى تغير طرق الولوج إلى المعرفة، بصورةٍ غدت تفرضُ إعادة تأسيس المدرسة، ذاكرًا أنَّ 51 بالمائة من التلاميذ المغاربة، في مرحلة الإعدادي، يمضون أكثر من ثلاث ساعاتٍ يوميًّا أمام الانترنت، فيما يتوفرُ 86 بالمائة من تلامذَة الثانوِي التأهيلي في المغرب على حسابٍ في الانترنت، بيدَ أنَّ ثقتهم ليستْ على مستوًى عالٍ، حيث إنَّ 76 بالمائة من التلاميذ لا يعتقدون أنَّ كل ما في الانترنت يمكن الوثوق فيه.

بيدَ أنَّ في طرق الاستعمال مشكلًا، وفقَ بنعمر، إذا مل علمنا أنَّ 92 في المائة ممن يرتادُون النت يقصدونه لمشاهدة الفيديُو، و75 بالمائة منهم ينصرفُون للمحاحثات، الأمر الذِي يفرضُ على المدرسة أنْ تتجه نحو طرقٍ بيداغوجيَّة تراعِي تمكن الجيل الحالِي من التكنلوجيَا، آخذَة بعين الاعتبار التغيرات الحاصلة.

ولأنَّ التمويل يشكلُ إحدى الإكراهات الماثلة أمام رقمنة المدرسَة، يقترحُ بنعمر إشراك الجماعات المحليَّة، لكونها تتوفرُ على إمكانيَّات مهمَّة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأكاديميَّات للاضطلاع بدورٍ في تكوينات عنْ بعدٍ لفائدة الأساتذَة، فيما يمكنُ الاستعانة بتقنيات التفاعل عن بعد، بالنسبة الأقسام التي بها عددٌ قليلٌ من التلامِيذ، داخل البوادِي والمراكز النائية.

المتحدثُ ذاته، زادَ أنَّ الـINPT جاهزةٌ لتسخير مواردها لخدمَة "الرقمنَة"، كأنْ تتمَّ دعوةُ الطلبَة إلى القيامِ بعملٍ جمعوِيٍّ في مدرسة من المدارس، مقترحًا إيواءً موحدًّا للشبكات على المستوى المدرسِي.

كيف يقاس نجاح "الرقمنة"؟

وإنْ كانَ أغلبُ المتدخلِين قدْ أشادُوا بمَا يمكنُ أنْ تحققهُ التكنلوجيَا للمدرسة؛ تساءلَ الأستاذ والباحث، إدريس الكراوِي، حول الطريقة التِي يمكنُ عبرها قياسُ نجاح الرقمنة لاحقًا، بصورةٍ موضوعيَّة "هلْ يمكن أنْ نتخذَ عددَ الاتفاقيات الموقعة لرقمنة المدرسة مؤشرًا؟ أم نعدُّ الأساتذة المستفيدين من تكوينٍ في المجال؟ أمْ نحصي الحقائب الإلكترونيَّة المسلمَة، كلَّا تلكَ الأمور وإنْ كانت مهمَّة إلَّا أنهَا ليستْ مقياسًا أوحدًا للنجاح في المشروع". يخلصُ الكراوِي.

في المنحَى ذاته، يتساءل المتحدث عمَّا إذَا كان ممكنًا اتخاذ عدد المتصلِين من التلاميذ معيارًا للحكم بنجاح الرقمنة، أو الولوج إلى الحاسوب، ليحكمَ بأنَّ ذلكَ وإنْ كانَ أمرًا ضروريًّا يبقَى غير كافٍ، شأنهُ في ذلك شأن النقص من الهدر المدرسي أوْ التقدم في تصنيف المغرب دوليًّا على سلم جودة التعليم، لأنَّ النجاح في ذلك قد يكون مصدرهُ غير رقمِي.

وعوضَ الإجراءات المذكورة، يقترحُ الأستاذ الكراوِي تقييم الرقمِي بمَا هُو رقمِي، مثلَ قياسِ عدد الصفحات ذات المحتوى التعليمي التِي ولج إليها التلاميذ، والمدة التي قضاهَا كلُّ واحدٍ منهم فيها، فضْلًا عن مدَى مواصلة الولوج إلى المواقع التعليميَّة والتردد عليها بانتظام، وذلكَ متاحٌ بفضل تقنياتٍ تتيحُ تحديد مكان المتصلِين، والمدن التي يكثر فيها الإقبال على محتوَى رقمِي معين.

رفعُ الصبيب

في غضون ذلك، أبدَى ممثلُو شركات الاتصالات الثلاث في المغرب، اتصالات المغرب وميديتيل وإنوِي، التزامهمْ حيال المدرسَة المغربيَّة، ومدَّهم اليد، سيمَا في الجانب المتعلق برفع صبيب الانترنت، الذي تحتاجهُ متابعة درسٍ من الدروس عبر الفيديُو، موازاةً مع لزوم التحفيز على خلق محتوى إلكترونِي مغربِي يوجهُ إلى تلاميذ البلاد، كيْ لا تبقَى المتصلُ المغربي رهينةً لمَا ينتجُ في الخارج.


عن موقع هسبريس
تربية بريس
تربية بريس
تعليقات