آخر الأخبار

أي مدرسة لجيل الغد؟ رؤية استشرافية... الجزء الأول: التعليم الأولي - تتمة

بقلم: نهاري مبارك (*)

يعتبر التعليم الأولي نقطة انطلاق حاسمة في الحياة التربوية والتعليمية للطفل، كما يعتبر المرتكز الأساسي لإعداد الأطفال تربويا وتعليميا لدمجهم في السلك التعليمي الابتدائي مسلحين بالمبادئ الأولية من أبجديات التعلم والاستئناس بمفردات ومصطلحات أولية لبناء المعرفة وألفة المناخ المدرسي والتعليمي، ومتمكنين من اكتساب معارف ومهارات تعبيرية ولغوية، تمكنهم من الانفتاح على محيطهم التربوي والتعليمي، ومتشبعين بمختلف القيم النبيلة السائدة، ليكبروا ويترعرعوا ضمن أحضانها ويصبحوا مواطنين صالحين مندمجين وفاعلين في المجتمع.
ومن منظور رؤية استشرافية، وسعيا لإرساء تعليم أولي ناجع، يستجيب لتطلعات الأمهات والآباء مستقبلا، وفي تصورنا، وبكثير من التفاؤل والآمال الطموحة لغد مشرق من أجل النهوض بالرأس المال البشري، وإعداد الفرد المسئول والصالح لبناء صرح مجتمع تواق إلى التقدم والازدهار، آملين تحقيق مختلف الأهداف التي يصبو إليها أمهات وآباء الأطفال المقبلين على الالتحاق بالتعليم الأولي وإعدادهم لولوج المدرسة الابتدائية، فإن تعليما أوليا ناجعا، إيمانا منا أن نجاح التعليم برمته يتوقف على نجاح التعليم الأولي ونوعية خدماته نوعا وكما، لن يتأتى إلا بتوفير الظروف والشروط المادية والبشرية والتدابير التالية:
1.    التسمية والأهداف:
كون مرحلة الطفولة المبكرة تلعب أدوارا أساسية في نمو الطفل في الفترة العمرية الممتدة من 3 إلى 6 سنوات، فإن التربية ما قبل المدرسية بسلك التعليم الأولي، التي تشرف عليها مربيات متخصصة،  يجب أن تستغرق ثلاث سنوات:
•    السنة الأولى: تحتضن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وأربع سنوات، وتسمى، الروض الأول؛
•    السنة الثانية: تحتضن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع وخمس سنوات، وتسمى، الروض الثاني؛
•    السنة الثالثة: تحتضن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمس وست سنوات، وتسمى السنة الإعدادية للتعليم الابتدائي؛
وتسعى التربية ما قبل المدرسية إلى تحقيق الأهداف التالية:
•    تربية الأطفال المغاربة المسلمين على العقيدة الإسلامية وقيمها الأخلاقية؛
•    تعليم الأطفال المغاربة المسلمين بعض السور من القرآن الكريم؛
•    تيسير النمو البدني والعقلي والوجداني للطفل؛
•    تحقيق استقلالية الأطفال وتنشئتهم الاجتماعية؛
•    تعلم القيم الوطنية والإنسانية الأساسية؛
•    تنمية مهارات الأطفال الحسية الحركية والمكانية والزمانية والرمزية والتخيلية والتعبيرية؛
•    التمرن على الأنشطة العملية والفنية؛
•    التحضيـر لتعلم القـراءة والكتابة باللغة العربية من خلال ضبط التعبير الشفوي؛
•     الاستئناس بلغات أو لهجات محلية وذلك لتيسير الشروع في القراءة والكتابة؛
•    تعلم لغات أجنبية حسب الإمكانات المتوفرة؛
•    توفير الرعاية الأموية بدور الحضانة لأولاد النساء العاملات والموظفات؛
•    إعداد الأطفال لخوض المسارات الدراسية اللاحقة بنجاح؛
•    .....
2.    الجهة الوصية:
وتخضع التربية ما قبل المدرسية بشكل موحد لوصاية وزارة التربية الوطنية وبتعاون وتنسيق مع جهات ومؤسسات أخرى ذات نفس الأدوار والوظائف. ويستفيد الأطفال من خدمات التربية الأولية برياض الأطفال التي تعتبر أجنحة مندمجة بالمدارس الابتدائية، تحت إشراف أطر إدارية وتربوية متخصصة، مؤهلة ومعدة خصيصا للقيام بتربية الأطفال ورعايتهم بسلك التعليم الأولي، وإعدادهم تربويا ومدرسيا لولوج سلك التعليم الابتدائي.  
3.    قانون إلزامية التعليم الأولي:
تسهر السلطات ذات الاختصاص على سن قانون إلزامية التعليم الأولي، وتنفيذ مقتضياته لحث جميع الأسر المغربية على تسجيل أبنائها بمؤسسات التعليم الأولي عند بلوغهم ثلاث سنوات  فأكثر من العمر، والاهتمام بتربيتهم، والحرص على تعليمهم لإعدادهم لولوج المدرسة الابتدائية، مسلحين بمبادئ تربوية وتعليمية تمكنهم من تحصيل دراسي مؤهل للأطوار التعليمية الموالية.
4.    تحقيق مبادئ الإنصاف والعدالة وتكافؤ الفرص:
ويجب العمل على ردم الهوة السحيقة بين خدمات التعليم الأولي الخصوصي وخدمات التعليم الأولي العمومي، التي تشكل عنصر أحقاد في المجتمع، تتنامى في نفسية الأطفال منذ الصغر، حيث أطفال الأسر المعوزة يرون بازدراء واحتقار أبناء الطبقة الميسورة، وهم ينمون، يشعرون بدونية ونقص مادي ومعنوي، تربوي وتعليمي، وتأهيل مهني واندماج في الحياة العملية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
5.    إعداد مؤسسات التعليم الأولي (رياض الأطفال):
ويتم إنشاء مؤسسات تربوية، أو رياض الأطفال، خاصة بسلك التعليم الأولي، بمواصفات وشروط تضمن النمو المتكامل والمتوازن للأطفال، الجسمي منه، والعقلي والنفس والاجتماعي، وتقام مدمجة بالمدارس الابتدائية مستقلة وموحدة ومجهزة، تشمل مختلف المؤسسات العتيقة والعصرية المتواجدة حاليا، وتوفر مختلف المتطلبات التربوية، وظروف التسلية واللعب، وتحتضن جميع الأطفال دون تمييز ولا تمايز بين الأسوياء منهم وذي الحاجات الجسدية والنفسية، حتى لا يشعروا بأي مركب نقص يشكل سبب إقصائهم من الأسلاك التربوية والتعليمية، وتتوفر فيها الشروط والمعاير التالية:
•    مدخل يضمن الراحة النفسية والجسدية لجميع الأطفال الأسوياء وذوي الحاجات الخاصة؛
•    قاعات مضاءة طبيعيا، ومنارة جيدا، ومزينة بألوان جذابة، وفسيحة تمنح كل طفل حيزا يسمح له بالتحرك بحرية، وتضم مقاعد وطاولات مريحة تناسب سن الأطفال ونموهم الجسمي، كما تشمل أمكنة لوضع الملابس والأمتعة، تمارس فيها جميع الأنشطة التربوية والعلمية والفنية؛
•    ساحة رحبة تشمل ملاعب الرياضة والتربية البدنية وبيوت النظافة وصنابير الماء الصالح للشرب؛
•    مكتبة مجهزة بكتب ومراجع تناسب مستويات التعليم الأولي، ووسائل إعلاميائية من حواسيب ولوحات إلكترونية؛
•    قاعات المطبخ والمطعم والنوم تتوفر على أجهزة مناسبة للأطفال؛
•    قاعة التمريض والإسعافات الأولية مجهزة بأسرة وأدوية؛
•    ..........
6.    تعميم خدمات التعليم الأولي:
وبديهي أنه لا وجه لمقارنة أطفال استفادوا من خدمات التعليم الأولي، وأطفال لم تطأ أقدامهم مؤسسات التعليم الأولي، حيث إن انطلاقة خاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة، وعليه، يجب:
•    تعميم خدمات التعليم الأولي على صعيد الوسطين الحضري والقروي؛
•    العمل على تحقيق مبادئ الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص؛
•    إعداد أطفال بنفس المواصفات والمؤهلات الجسمية والمعرفية لولوج المدرسة الابتدائية؛
•    ضمان النمو الجسمي والعقلي بشكل عاد لجميع لأطفال الأسوياء منهم وذوي الحاجات الخاصة؛
•    توفير الراحة النفسية لجميع الأطفال، بمؤسسات موحدة وبنفس المعايير على الصعيد الوطني؛
•    تحبيب التعلم للأطفال بكل الوسائل حتى يرتادوا المدرسة بشغف وقابلية؛
•    ............
7.    وضع برامج ومناهج تربوية ناجعة:
تعتبر البرامج والمناهج أهم العناصر التي تتأسس عليها التربية الأولية، وتشمل المحتويات والمضامين والطرق البيداغوجية والوسائل والمعينات والأدوات التربوية، وحتى تفي البرامج والمناهج التربوية بالأغراض المنتظرة منها، فإنه يجب أن تتوفر فيها المواصفات التالية:
•    وضع برامج تربوية ومقررات تعليمية جيدة، موحدة وجذابة تترجم واقع الطفل وبيئته؛
•    اعتبار الخصوصيات الثقافية للمجتمع محليا وإقليميا ووطنيا، مع الانفتاح على القيم الكونية؛
•    توحيد لغة الخطاب والتدريس والمحتويات التربوية والتعليمية؛
•    التركيز خلال هذه الفترة على أنشطة تربوية مناسبة لسن الطفل وقدراته؛
•    العمل على تمكين الأطفال من التأقلم مع المناخ التربوي؛
•    تتيح انفتاح الأطفال الفكري والمعرفي، وتوقظ فيهم الحافزية والقابلية للمسايرة والتطور والانتماء الاجتماعي؛
•    تعزيز التطور اللغوي والمعرفي والتنشئة الاجتماعية والعاطفية من خلال اللعب ومختلف الأنشطة التربوية؛
•    ترسيخ تجارب الحياة للطفل بما يتيح له تأكيد شخصيته، والتفاعل المنسجم والتعبير الحس حركي؛
•    بناء تصور ذهني لفهم العالم المحيط من خلال التواصل مع الأطفال؛
•    تنمية إحساس الأطفال بالمسئولية والاستقلالية من أجل تأهيلهم للاندماج في المجتمع؛
•    ......
8.    الخدمات التربوية :
ويستفيد الأطفال بمؤسسات التعليم الأولي من الخدمات التالية، التي، من الأفضل، أن تشرف عليها مربيات متخصصات تم تأهيلهن لهذا الغرض:
•    تنمية القدرات الجسمية والعقلية باعتماد أنشطة متنوعة أساسها التجارب واللعب والتسلية؛
•    تربية الأطفال على النظافة والاعتناء بهندامهم؛
•    تربية الأطفال على احترام البيئة والاعتناء بالوسط الذي يعيشون فيه؛
•    تدريب الأطفال على التعود على الإعلان عن الرغبة في قضاء حاجتهم والذهاب إلى بيت النظافة؛
•    تعليم الأطفال الاعتماد على الذات والانفتاح على المحيط واستغلال قدراتهم الشخصية؛
•    تعليم الأطفال كيفية تناول الأكل والحفاظ على النظافة؛
•    اعتماد العمل الجماعي وتثمين المبادرات الفردية والتعريف بها وعرضها للفائدة والتشجيع، مع التركيز على التعبير بمختلف أشكاله والتواصل في مختلف المواضيع؛
•    تمكين الأطفال من قاموس لغوي موحد تربويا وتعليميا وثقافيا واجتماعيا، من خلال أنشطة التعبير الشفهي والقراءة والكتابة والإبداع الفني؛
•    التركيز على اللعب كرافعة أساسية للأنشطة التربوية والتعليمية؛
•    تنويع الأنشطة التربوية والترفيهية في جميع المجالات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والمواطنة، باعتماد الخطاب الشفوي والرياضة والتربية البدنية؛
•    ترسيخ الفكر العلمي عند الأطفال والمناقشة المنطقية؛
•    ترسيخ جميع القيم الحميدة لدى الأطفال واعتمادها في مختلف الأنشطة والمعاملات؛
•    العمل على تكييف وتأقلم الأطفال مع المتطلبات المدرسية والمناخ الدراسي؛
•    ....
9.    التنظيم التربوي:
ويعتبر التنظيم برياض الأطفال، بتنسيق مع أمهات وآباء الأطفال، من أهم أسس التربية الناجعة، ويمكن تلخيصه في ما يلي:
•    اعتماد جداول حصص واستعمالات الزمن تراعي النمو الجسمي والعقلي للأطفال؛
•    تجنب الأنشطة المرهقة للأطفال، حتى لا ينفروا من المؤسسة التربوية؛
•    إعداد فضاءات تستجيب لحاجات الأطفال الجسمية والنفسية؛
•    تمكين الأطفال من التحرك والتنقل داخل هذه الفضاءات بكل حرية واستقلالية، مع ضمان احترام بعضهم البعض؛
•    التعويد المتدرج للأطفال على النظام وتدبير المكان والزمان؛
•    الانتقال التدريجي من اللغة الأم إلى لغة التدريس؛
•    التواصل والتشاور والتنسيق باستمرار مع أمهات وآباء الأطفال؛
•    استدعاء أمهات وآباء الأطفال وعقد اجتماعات معهم، بشكل منتظم، وكلما دعت الضرورة إلى ذلك؛
•    ......
10.    إعداد أطر تربوية وإدارية متخصصة:
يتم تكوين أطر مربية كفئة، متمكنة معرفيا وتربويا في المجالات العلمية ومجالات علم النفس- الطفل، ومؤهلة أكاديميا ومهنيا للاضطلاع بمهامها على أحسن وجه، وقادرة على تربية الأطفال وإعدادهم نفسيا وتربويا للالتحاق بالتعليم الابتدائي ومسايرة الدراسة بنجاح ودون تعثر. وتعتبر المربية بروض الأطفال العنصر الأساسي الذي تتوقف عليه العمليات التربوية والتنشئة الاجتماعية، كما تعتبر القدوة والنموذج الذي يقتدي به الأطفال ويتأثرون به سلوكا وأخلاقا، لذا يجب أن تتوفر في مربيات رياض الأطفال الخصائص والمواصفات التالية:
•    سلامة الصحة الجسمية والنفسية والعقلية؛
•    التحلي بالأخلاق الحميدة والقيم النبيلة؛
•    الكفاءة المعرفية والمهنية في المجالات التربوية والنفسية والاجتماعية والثقافية؛
•    التمكن من تدبير مختلف الفضاءات والأنشطة التربوية بروح المبادرة والابتكار والإبداع؛
•    القدرة على التعرف تلقائيا وفطريا على حاجات الأطفال النفسية والفيسيولوجية؛
•    القدرة على الانسجام والتكيف مع مختلف الوضعيات والتفاعل مع الأطفال؛
•    القدرة على القيام بأدوار الأم تربويا واجتماعيا وثقافيا، عاطفيا ووجدانيا؛
•    القدرة على التواصل الفعال ونسج العلاقات الإنسانية مع الأطفال والأمهات والآباء؛
•    القدرة على الملاحظة والمراقبة والتقييم وإصدار الأحكام والتقويم واتخاذ القرارات المناسبة؛
كما يشترط في الأطر الإدارية التمكن من أساليب التدبير الإداري والتربوي والمالي.
حيث يتم إعداد أطر إدارية وتقنية تشرف على سير خدمات التعليم الأولي، تصاحب المربيات والمربين وتواكب أعمالهم، وتتابع أنشطتهم، وتقوم مردوديتهم وتؤطرهم، وتمد لهم يد المساعدة، لتجاوز مختلف الصعوبات التي تلاقيهم، من أجل ضمان جودة هذه الخدمات وتطويرها والارتقاء بها.


 (*): مهتم بالقضايا التربوية والاجتماعية.









ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع تربية بريس ©2014