آخر الأخبار

التلميذ بين الترشيحات للمباريات والاستعدادات للامتحانات: الآثار والانعكاسات

بقلم: نهاري امبارك(*)

مقدمة:
   من المعلوم أن سلك التعليم الثانوي يتوج بنيل المتعلم شهادة البكالوريا، هذه الشهادة التي تعتبر جوازا يتيح لحامله اقتحام  الدراسات الجامعية ومؤسسات تكوين الأطر عمومية، كانت أو خصوصية، وطنية أو أجنبية. ويلتحق حاملو شهادة البكالوريا بهذه المؤسسات عن طريق اجتياز مباريات حاسمة بعد القيام بترشيحات إلكترونية أو ورقية أو هما معا، يتم برمجتها خلال فترة زمنية، غالبا، تتزامن والاستعدادات للاختبارات الوطنية التي تشكل نتائجها نسبة هامة في معدل الحصول على شهادة البكالوريا.
ومواكبة لعملية الترشيحات، يلمس كل ملاحظ بجلاء تطابق الفترة الزمنية المخصصة لهذه العملية وذروة انشغالات التلاميذ وتركيزهم على الأنشطة المتعلقة بالدراسة، من إتمام المقررات وإنجاز آخر الفروض والمراجعة والتثبيت استعدادا للامتحانات الإشهادية من أجل الحصول على شهادة البكالوريا.
سنحاول مناولة هذه الإشكالية المتعددة الأبعاد من خلال الأسئلة الفرعية التالية: 
•    ما هي أساليب وإجراءات الترشيح لمباريات ولوج الدراسات والتكوينات لما بعد البكالوريا؟
•    وما هي الصعوبات والمشاكل التي تعترض سبل التلاميذ وهم يعبرون عن ترشيحاتهم؟
•    وما هي انشغالاتهم المدرسية وأحوالهم النفسية وهم يستعدون لاجتياز اختبارات الامتحان الوطني الموحد؟
•    وما هي الآثار التربوية والنفسية المترتبة عن هذه المشاكل والصعوبات على التلاميذ في فترة حساسة من حياتهم الدراسية وهم يستعدون لاستحقاق ذي أهمية يتوج مساراتهم الدراسية الثانوية؟
•    وما هي الحلول الممكنة لتجنب التلاميذ انشغالات الترشيحات حتى يتفرغوا فقط للاستعداد للامتحانات؟   سنحاول الإجابة، قدر الإمكان، على هذه الأسئلة الفرعية المشكلة في مجملها لإشكالية الترشيحات لولوج الدراسات والتكوينات لما بعد البكالوريا خلال فترة حساسة من السنة الدراسية، هذه الإشكالية التي يصوغها التلاميذ كل حسب أحاسيسه ومعاناته الاجتماعية والمدرسية والتربوية والنفسية، وذلك من خلال الفقرات الموالية:
I.    أساليب وإجراءات الترشيحات: 
  من المعلوم أن المؤسسات الجامعية ومؤسسات تكوين الأطر التي تفتح أبوابها في وجه التلاميذ والطلبة عن طريق الترشيحات والمباريات كثيرة ومتعددة، ترتبط بمختلف القطاعات الاقتصادية منها  والاجتماعية والخدماتية والتجارية ...في مختلف المجالات والميادين. ويتم تقديم هذه الترشيحات، إما بواسطة ملفات تشمل مجموعة من الوثائق، أو عبر الأنترنيت، أو هما معا. وتحدد إجراءات الترشيح بواسطة مذكرات تنظيمية، يصدر أغلبها خلال الأسدس الثاني من السنة الدراسية، وخصوصا خلال بعض الأشهر أو بعض الأسابيع الأخيرة من السنة الدراسية؛
II.    مشاكل وصعوبات الترشيحات:
  فبمجرد نشر الإعلانات ورقيا أو إلكترونيا، وتزويد المستشار في التوجيه التربوي التلاميذ بالمعلومات المعلنة على مواقع الأنترنيت أو المتضمنة بمختلف المذكرات الواردة على المؤسسة التعليمية ابتداء، غالبا، من شهر مارس، وتوضيح الشروط والمتطلبات، يهرع التلاميذ، كل حسب إمكاناته وظروفه التربوية والاجتماعية، إلى وضع جملة من التساؤلات ترتبط بالآفاق المستقبلية، من حيث الدراسة والتكوين والتخرج ومجالات العمل، وكذا كيفية الترشيح والإجراءات المطلوبة، لتنطلق، بعد ذلك، مسلسلات ولوج أغلب التلاميذ، منهم المحتمل نجاحهم وحصولهم على شهادة البكالوريا، ومنهم المحتمل رسوبهم وعدم حصولهم على هذه الشهادة وهم لا يدرون، يلجون مواقع الترشيح المعلن عنها على الشبكة العنكبوتية، حيث منها السهل الولوج وسلاسة العمليات، ومنها صعب الولوج حيث تتطلب هذه العمليات جهدا ووقتا، ليضطر التلميذ إلى معاودة الكرة مرة أو مرتين إن لم نقل مرات، جراء ضغط تشغيل الموقع لعدم تحمله، أو ملاقاة التلميذ صعوبات مسك المعلومات، أو أخطاء تتسرب من كل جانب، حيث، والحالة هذه، إن التلميذ، غالبا ما تنقصه الخبرة الإعلاميائية وعدم القدرة على التعامل مع مختلف  التعليميات وتسلسل العمليات، فيصطدم إما بإغفاله لرقم معين، أو عدم كتابته كلمة بالشكل المطلوب، أو عدم مطابقة اسمه لقاعدة معطيات مدونة مسبقا، أو خطأ في ترتيب الاختيارات… ما يجعله يعيش معاناة من شتى الأشكال والألوان.
أما مؤسسات أخرى، فيتطلب الترشيح للمشاركة في المباراة التي تنظمها ملفا يضم مجموعة لا يستهان بها من الوثائق، التي تتطلب وقتا وجهدا ومالا للحصول عليها لدى سلطات إدارية متعددة. وفي الغالب، فإن أغلب المؤسسات تتطلب التسجيل الإلكتروني والملف الورقي معا، ليجد المترشح نفسه أمام معاناة مضاعفة وقتا وجهدا، ما يجعل أغلب التلاميذ الاستغاثة بأولياء أمورهم للقيام بهذه الإجراءات الإلكترونية منها والورقية، فيهرع الآباء لتنفيذ متطلبات أبنائهم، دون اطلاع أو إلمامهم بذلك،  من أجل تخفيف معاناة أبنائهم وتوفير لهم الوقت والجهد من أجل الانشغال والاهتمام، فقط، بالدرس والتحصيل استعدادا للموعد المضروب؛
III.    ظروف وطرق الاستعداد للامتحانات:
  بعد إنجاز التلاميذ دروسا كثيرة ومتعددة خلال السنة الدراسية، وحوالي أواخر شهر أبريل، يتفرغ التلاميذ للمراجعة والتثبيت، كل حسب طرقه والظروف التربوية والاجتماعية المتاحة له.
فمنهم من تخصص له أسرته بيتا، ومنهم من يزدحم وأفراد أسرته في بيت واحد تحت وطأة الشغب والصراخ وبرامج التلفزة، ومنهم من يستغل نوم إخوانه لينزوي في مكان جانبهم...فتجد التلميذ تتجاذبه المواد ودروسها وتمارينها المختلفة نوعا وكما، وهو في حيرة من أمره، خصوصا في ظل عدم وضعه برنامجا دقيقا للاستذكار والاستعداد، أيراجع مضامين المواد المقررة دفعة واحدة، أو يوزعها وفق حصص زمنية معينة؟ أيلتجئ إلى الحفظ عن ظهر قلب والاستظهار أو يقوم بكتابة ملخصات بطريقته الخاصة؟ أيعمل في هدوء وصمت أم يصرخ ويرفع وصوته عاليا؟ أيتصل بمدرسيه ويستفيد من بعض حصص المراجعة الجماعية؟ أيقوم بحصص تثبيت مؤداة؟ 
IV.    آثار الاستعدادات للامتحانات على التلاميذ:
  وتحت وطأة تساؤلات متعددة، وقرارات تفتقر، غالبا، للتخطيط والبرمجة، يجد التلاميذ أنفسهم تتقاذفهم أمواج كم هائل من الدروس، فتتملكهم الحيرة والتردد، ويعانون اضطرابات نفسية خلال  فترة الاستعدادات للامتحانات تنعكس سلبا عليهم على صعيد مختلف الجوانب، حيث يتملكهم القلق والتوتر، وينال منهم الخوف والذعر والوسواس إلى درجة انهيار بعضهم عصبيا جراء إحساسهم أحيانا بعدم التمكن من أي معلومة، مما يؤدي بهم إلى اضطرابات نفسية خطيرة إلى حد الإغماء والانهيار العصبي، فمنهم من يقبل على تناول المهدئات، ومنهم من يتناول المنشطات ويكثر من الشاي والقهوة والمشروبات الغازية، إلى درجة معاناته تأثيراتها السلبية على صحته الجسدية والنفسية.
V.    آثار وانعكاسات الترشيحات على التلاميذ خلال فترة الاستعداد للامتحانات:
  قبل، وخصوصا خلال فترة الترشيحات، يمكن لكل متتبع ملاحظة وملامسة، بشكل جلي، حالة التوتر بادية على محيا التلاميذ ومن خلال سلوكاتهم وتصرفاتهم جراء الضغط العصبي والاضطراب النفسي، من شدة الحيرة والتردد من جهة، والخوف والقلق من جهة أخرى: حيرة وتردد لاتخاذ القرار المناسب، خصوصا في غياب مشروع شخصي معد سلفا، وخوف وقلق، إلى درجة، أحيانا، نوبات إغماء وانهيار عصبي، من شدة وطأة ضغط الزمن، وتكدس الدروس، ولهفة الاستذكار والتثبيت، إلى درجة استحضار الفشل والاستسلام لقدر محتوم يتجلى في واقع مفروض.
وفي إطار ظروف خاصة، وتشبثا بعزيمة قوية لدى بعض التلاميذ، وتمسكا بتحقيق أهدافهم، يقاومون الصعوبات ويتغلبون على آثارها، فينجزون ترشيحاتهم بشكل عاد، ويعبرون عن اختياراتهم بيسر وسهولة. لكن، وفي ظل ظروف الترشيحات الضاغطة إجمالا وعلى العموم، يتخلى عدد لا يستهان به من التلاميذ، حتى المتميزون منهم، يتخلون عن القيام بإجراءات الترشيحات والتسجيلات للمشاركة في مباريات ولوج مؤسسات دراسية أو تكوينية، من أجل التفرغ للاستعداد للامتحانات ومواجهة الفترة الزمنية الأخيرة من السنة الدراسية بحزم واستعداد نفسي للتغلب على كل المفاجآت التي قد تباغثهم على حين غرة، ودون سابق إنذار. وهكذا نجد من بين التلاميذ من يتحملون شخصيا المشاق والمعاناة، ومنهم من يفوضون أمرهم لأولياء أمورهم، ومنهم، وما أكثرهم، من يستسلمون ويتخلون عن الترشيحات مؤجلينها إلى حين، فينصرفون إلى الاستعداد للاختبارات للحصول، أولا وقبل كل شيء، على جواز الدراسات والتكوينات لما بعد البكالوريا؛
VI.    حلول ومقترحات:
   من أجل إتاحة فرص الترشيحات لجميع التلاميذ، كل حسب ظروفه التربوية والاجتماعية، وكل حسب قدراته ومؤهلاته المعرفية والجسمية، يرى كثير من المتتبعين للشأن التربوي والتعليمي أنه من الأليق تأجيل عمليات الترشيح وتأخيرها إلى غاية ظهور النتائج العامة للبكالوريا، وذلك وفق الأنشطة والخطوات والمراحل التالية:
1.    فترة الإعلام المدرسي والمهني والجامعي:
تتم هذه العملية منذ بداية السنة الدراسية، موازاة مع سير العملية التربوية، وبشكل مرن، وبواسطة مختلف الأدوات والوسائل والدعائم الإعلامية الورقية والإلكتروينة، من دلائل ومواقع على الشبكة العنكبوتية، وذلك بالتركيز على مختلف الأنشطة التربوية والتقنية:
    مؤازرة التلاميذ من خلال مختلف عمليات المساعدة النفسية والمواكبة والتتبع والتدريب، باستغلال جميع الوسائل المتاحة وباعتماد مختلف المقاربات والتطبيقات والأنشطة؛
    تعريف التلاميذ بالمؤسسات الجامعية والتكوينية ومؤسسات تكوين الأطر، والدراسات والتكوينات المتاحة، ومتطلباتها وشروط ولوجها، ومدة الدراسة أو التكوين، والدبلوم المخول، وآفاق الحياة العملية والاندماج؛
    إطلاع التلاميذ على كيفية الترشيح، إلكترونيا كان أو ورقيا، مع التركيز على ضرورة التدرب على التقنيات الإعلاميائية والتمكن منها، وكذا التعرف على المؤسسات الإدارية من أجل الحصول على الوثائق المحتملة لتشكيل ملفات الترشيح وإعدادها، على مهل، وبالتدريج، أواخر السنة الدراسية أو بعد اجتياز الامتحان الوطني الموحد؛
2.     فترة التسجيلات والترشيحات لولوج الدراسات والتكوينات لما بعد البكالوريا:
في اعتقادنا، وتخفيفا لمعاناة التلاميذ، وتوفير جهودهم، وتمكينهم من التفرغ للاستعدادات للامتحانات، فإن الفترة الزمنية الأنسب للترشيحات تحدد مباشرة بعد الإعلان عن النتائج النهائية لشهادة البكالوريا، حيث يفتح باب الترشيحات الإلكترونية أو الورقية أو هما معا لفائدة، طبعا، فئة الناجحين من التلاميذ، التي لا تتعدى في أحسن الأحوال نصف المترشحين المتقدمين لاجتياز امتحانات نيل شهادة البكالوريا. وهكذا يلاحظ اختزال الزمن والموارد البشرية والمادية المطلوبة واختزال العمليات التربوية والإدارية المنجزة من طرف، خصوصا، مؤسسات تكوين الأطر التي يقبل عليها مترشحون كثر، إذ يتم مسك ودراسة ومعالجة، فقط، ملفات المترشحين الحاصلين على شهادة البكالوريا. وعليه يتم، من ناحية، إعفاء التلاميذ غير الناجحين من كل التحملات والمشاق المادية والنفسية، ومن ناحية أخرى، توفير المشاق والمعاناة على التلاميذ الناجحين، ليتفرغوا لترشيح أنفسهم في غمرة من نشوة الفرح بالنجاح والثقة بالنفس والتلقائية والقابلية والحافزية نحو تحقيق الأهداف التي رسموها لأنفسهم، بعيدا عن الضغوطات والاضطرابات النفسية لفعل الدروس والفروض.
وبديهي أن هذا لن يتأتى إلا في ظل توفير الشروط والظروف التالية:
•    إحداث البوابة الوطنية للإعلام والمساعدة على التوجيه الموصى بها منذ زمان، وتفعيل أدوار مراكز الإعلام والمساعدة على التوجيه الجهوية والإقليمية وفضاءات الإعلام والمساعدة على التوجيه بالقطاعات المدرسية للتوجيه والمصالح والمكاتب ذات الصلة بخدمات الإعلام والمساعدة على التوجيه؛
•    إحداث جهاز وطني موحد تربوي وإداري وتقني متخصص في تنظيم مباريات ولوج مختلف الدراسات والتكوينات لما بعد البكالوريا يشرف على موقع أو مواقع على الشبكة العنكبوتية للترشيحات، يشتغل تحت إشراف ومراقبة السلطات التربوية والتكوينية، وبتنسيق مع جميع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ومع جميع القطاعات والوزارات الوصية أو المشرفة على المدارس والمعاهد والمراكز غير التابعة لوزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي؛
•    برمجة الترشيحات وتحديد فترتها بعد الإعلان عن نتائج البكالوريا، وبشكل يضمن تكافؤ الفرص لجميع  التلاميذ، كل حسب توجهاته الشخصية وقدراته ومؤهلاته المعرفية والجسمية؛
المراجع:
•    الميثاق الوطني للتربية والتكوين، يناير 2000، المغرب؛
•    المذكرات الوزارية 17 و18 و19 فبراير 2010، المغرب؛
•    المذكرات المنظمة لمختلف المباريات الصادرة  إلى حدود اليوم 23 ماي 2015، المغرب؛
•    مواقع بعض المؤسسات الجامعية ومؤسسات تكوين الأطر، ومواقع على الأنترنيت متخصصة في الإعلام والتوجيه، المغرب؛


(*) مفتش التوجيه التربوي، مكناس

NHARI Mbarek









ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع تربية بريس ©2014