آخر الأخبار

إصلاح الإدارة وإرادة الإصلاح


فيصل الزوداني

لقد « ثبت أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر.. فكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول » 1. ولما كانت حاجات الأفراد والجماعات تتطور بمضي الزمن، فقد تطور معه مفهوم الدولة لاسيما في ظل العولمة ، حيث استقرت أشكال الدولة والعلاقات الدولية والنظم والمؤسسات الحديثة جنبا الى جنب مع الأسس المنهجية للفلسفة والفكر2 . وهكذا انتقلت الدولة المؤتمنة على سلامة الأبدان والمعتنية  بالشؤون العامة والحريات الفردية والرقابة على السلطة والحقوق العامة وتطبيق العدل والحفاظ على الاموال 3 من دولة دركية وحارسة إلى دولة متدخلة في جميع مناحي الحياة، ساعية بذلك وراء إشباع الحاجات العامة التي كانت ولا تزال في اتساع دائم.

ومن المعلوم أن هذا المسعى اتخذ شكلا منظما ومؤسساتيا تمثل في بروز وإرساء المرافق العامة، باعتبارها هيئة عامة ونشاطا إداريا يستهدف إشباع الحاجات العامة المتغيرة، سيما وأن تطور مناحي الحياة الادارية والاقتصادية والاجتماعية دفع الدولة الى تنظيم وتدبير مجالات جديدة، كما دفعها إلى السعي وراء تلبية حاجات عامة أخرى متجددة. وبالتالي أصبحت الدولة ملزمة بتجديد وتطوير هياكلها وبنياتها، كما أصبحت مدفوعة إلى تطوير أساليب تدبيرها وإشرافها على المرفق العام وكذا وصايتها ورقابتها على نشاط هذا المرفق كي لا يحيد عن إشباع المصلحة العامة لحساب المصلحة الخاصة.

وتأسيسا على ما سبق فإن اضطلاع الإدارة بإشباع الحاجات العامة يقتضي منها تطوير أو إصلاح هياكلها وتجديد بنياتها وعقلنة نشاطها وتقديم خدماتها بأقلة كلفة وبالنجاعة والفعالية اللازمتين، بشكل يحفظ كرامة المرتفق ويضمن حقه في الولوج إلى كل الخدمات عدلا وعلى قدم المساواة و" في أحسن الظروف وأقرب الآجال " 4.  كما يقتضي إصلاح الإدارة لهياكلها وطرق تدبيرها وجود إرادة للإصلاح والتقائية في رؤى التحديث والتجديد والتثمين والترصيد والتخليق. ذلك أن كل حديث عن الإصلاح في معزل عن إرادة حقيقية لمباشرة هذا الأخير يبقى مجرد زمن تتكالب فيه معاول الهدم على بنيان الإدارة من الداخل ومن الخارج، ليغدو بذلك هم الإدارة الأوحد والوحيد البقاء ثم الإبقاء على الامتيازات واكتساب كل الحقوق مع الالتزام ببعض من الواجبات.
لقد بدا جليا أن إرساء ورش إصلاح الإدارة في ظل ممانعة وغياب إرادة حقيقية للإصلاح هو ضرب من الاستحالة. ففي ظل ممارسات وسلوكيات تعصف بكل مضامين ورؤى الإصلاح، يتعاظم الصدع بين الحديث عن إصلاح الإدارة وبين واقع الحال بشكل مهول، وهو ما يفقد كل حديث عن الإصلاح صداه ومصداقيته. إذ كيف يستقيم الحديث عن إصلاح الإدارة وهي لا تزال تتعثر كل يوم في بيروقراطية تنأى بها عن مسايرة زمن متسارع ومحيط متغير غير ثابت، مع كل ما يفرزه من تذويب لحدود الزمان والمكان؟ كيف يتكرر الحديث عن مداخل الإصلاح والتحديث والتجديد والحال أن هذه المداخل لا تزال موصدة بلا ارتياد أو إصلاح؟ بل كيف يمكن للإدارة أن تمكن المرتفقين من الولوج إلى كل الخدمات وعلى قدم المساواة في الوقت الذي لا تستفيد فيه أطر الإدارة نفسها على اختلاف درجاتهم من نفس فرص الارتقاء والتحفيز والتثمين والتكوين والتعويض التي يتمتع بها غيرهم داخل نفس الإدارة ؟ كيف يعقل أن يطالب الموظف بحسن وفادة المرتفق واستقباله وهو يمارس في ظروف بئيسة وبعتاد وتجهيز متهالكين مهام لا تتناسب وكفاياته في ظل هكذا تمييز بين أطر الإدارة الواحدة؟ بل كيف يطالب بذلك والحال أن هذا الموظف يعيش على وقع الضغوطات والوشايات والاستفسارات مع التلويح غير ما مرة بالتنقيل أو تسويد بطاقات الاقتراح للترقية أو الترسيم بتنقيط بئيس؟

عميق إذن ذاك الصدع بين الحديث عن الإصلاح وعن إرادة الإصلاح، بين ما يراد له أن يكون وبين ما أريد له أن يكون، بين نوايا معاول الهدم وإرادة سواعد البناء، بين منظور وقرارات هرم الإدارة وظروف اشتغال قاعدة هذا الهرم، بين مخرجات وخدمات مرفق الإدارة وانتظارات مرتفقي هكذا إدارة. إن إرساء وتنزيل كل مشاريع الاصلاح الإداري والتجديد  يتطلب إسناد المسؤوليات والمناصب إلى أهل الحل والعقد وإلى رجال الفن كل في تخصصه، بناء على مشروع تصور مع التزام موثق جوهره التدبير بالنتائج على أن يتم التعاقد على هذا الأساس، سيما وأن بعض الإدارات لا يزال تسييرها يتم بالنيابة ردحا من الزمن دون أن يتم فتح باب للتباري ودون هندسة لمشروع تصور أو منهجية عمل.
إن ما تصطدم به بعض الإدارات اليوم هو تلك الممانعة من الداخل حيال التغيير والتجديد والتطوير. يضاف إلى ذلك تلك الثغرات المرتبطة بتدبير الموارد البشرية والمتجلية أساسا في غياب استراتيجية شمولية تضمن التدبير الأمثل للموارد البشرية. فرغم التأكيد على الإرادة السياسية لتخليق الحياة العامة ومواجهة الفساد من خلال الخطب الملكية المؤكدة على ضرورة إرساء دولة  القانون وتخليق الحياة العامة وكذا التصريحات الحكومية أمام البرلمان بخصوص الالتزام بالقيام بإصلاحات جوهرية واتخاذ اجراءات عملية تهم الحكامة الجيدة والتخليق ومحاربة الفساد 5 ، فإن عبء التراكمات التاريخية على مستوى تدبير المرافق والخدمات العمومية بالإضافة إلى مقاومة التغيير المرتبطة بالإصلاحات الهيكلية العميقة 6 يضع الإدارة أمام رهانات كبرى وتداعيات أبرزها إطالة أمد الأعطاب التي ترزح تحتها هذه الإدارة .
-------------------------------------------------
1:  مقدمة ابن خلدون
2: عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية ‘ د.احمد زايد - عالم الفكر - المجلد 32 ،  ، يوليو/ شتنبر 2003 ، ص 10
3:   الحرية والتحرر، قراءة في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للكواكبي‘ بقلم د.حسن حنفي  - عالم الفكر - المجلد  33،  يناير/ مارس 2005 ، ص 124
4: الخطاب الملكي لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة
5 و 6 : التقرير السنوي للهيئة المركزية للوقاية من الرشوة لسنة 2009، ص: 25









ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع تربية بريس ©2014