آخر الأخبار

آفة الهدر المدرسي: مقاربة سوسيو ثقافية

عبد الله بن أهنية
ورد عن ابن منظور في لسان العرب أن مفهوم "الهدر" هو ابطال الشيء وذهب دم فلان هدرا وهدرا، بفتح الدال، أي باطلا ليس فيه قود ولا عقل ولم يدرك بثأره. وكثيرا ما يختلط مفهوم "الهدر المدرسي" بــ"التسرب المدرسي" وهما وجهان لعملة واحدة. وقد اصبحت هذه الآفة تؤرق معظم الدول العربية بوجه عام والمغرب بصفة خاصة، إذ انكبت الوزارات المعنية بقطاع التعليم ومنذ أمد بعيد بدراسة أسباب هذه الآفة ومحاولة إيجاد الحلول الناجعة لها. كما أن تلك الوزارات قد اتخذت جملة من التدابير لتصحيح الوضع وإعادة الأمل لآباء أو أولياء أولئك التلاميذ كي يروا أبنائهم وبناتهم يشقون طريقهم نحو تحصيل علمي فعال يضمن لهم مستقبلا حافلا بالنجاح والتفوق ويحفظ لهم كرامتهم. كما أن المتتبع لهذا الموضوع سيجد بأن هذه الظاهرة لها أسباب متعددة يمكن حصرها في خطوط عريضة على سبيل المثال لا الحصر ومنها:

المعلم:

أي أن قسوة المعلم أو جفائه أو غلظته قد تؤدي لا محالة إلى الفرقة وعدم محبة الطالب لمعلمه أو نفوره منه.

المدرسة:

لا شك أن شكل المدرسة الخارجي والداخلي الغير جذاب والشبيه بمنظر السجون سابقا ينفر التلاميذ منها، بل ويبعث بروح الاشمئزاز وعدم الرغبة في التردد عليها كل يوم، ناهيك عن عدم الولاء أو الانتماء إليها.

المناهج:

إذا كانت المناهج عقيمة وتعتمد على الحفظ وسرد المعلومات فقط، وليست محبوبة وجذابة ولا تبعث في التلميذ روح البحث ولا تشجعه على التفكير النقدي (Critical Thinking) ولا تدعو إلي ترسيخ القيم الحميدة والافتخار بعقيدة الطالب وثقافته وهويته، ولا تحاكي متطلبات الفرد والمجتمع وسوق الشغل في وقتنا المعاصر، فهي بدون شك من أحد أسباب كراهية الطالب للدراسة والمدرسة ككل.

رفقاء السوء:

مرافقة أصحاب العادات السيئة ومحاولة الانخراط معهم في الأعمال والعادات المحذورة أو تقليدهم بأي شكل من الأشكال، يأدي إلى الانقطاع عن الدراسة والنفور منها، بل ويفسد طبيعة الفرد.

اغفال الوالدين:

عدم المبالات من طرف الآباء اتجاه أبنائهم، وعدم تقديم النصح والإرشاد لخم عبر جميع مراحل حياتهم ومنذ نعومة أظافرهم، وتوجيههم التوجيه الديني والشرعي والعقائدي والأخلاقي الصحيح يعطي فرصة للطالب -حتى وهو في سن مبكر- في التفكير بالانقطاع عن الدراسة أو التهاون في القيام بواجباته اليومية والتهاون في التركيز على التحصيل العلمي.

أوقات الفراغ:

إذا كانت المدرسة أو الوالدين يجحفان في إعطاء التلميذ حقه الوافي من أوقات الفراغ حتى يخلو لنفسه ويلعب مع أقرانه، فإن ذلك قد يورث في نفس الطالب الرغبة الجامحة في الابتعاد عن المدرسة ومحاولة الحصول على أوقات فراغ أطول. وإما أن يعطى التلميذ أوقات فراغ أكثر من اللازم مما يؤدي إلى تشتت ذهنه وعدم مبالاته بواجباته.

اسباب نفسية:

هنالك أسباب نفسية أحيانا تكون مرتبطة بشخصية التلميذ وطبيعته، يصعب معها فك لغز الانزواء أو الاكتآب لدى الطالب ورغبته في الابتعاد عن المدرسة. وهذا من واجب الآباء والمدرسة معا في تقويم أي اعوجاج وإصلاحه قدر المستطاع.

اسباب اجتماعية:

هنالك العديد من الأسباب الاجتماعية كالفقر والهشاشة والسكن بالأحياء المهمشة دون أدنى وسائل العيش التي تحفظ للمرء كرامته، وكذلك العنف داخل الأسرة، أو الزواج المبكر وعدم الإحساس بالمسؤولية لدى أحد الطرفين أو كلاهما، كل هذه العوامل تهيئ جوا لا يدعو إلى الرغبة في متابعة الدراسة أو الالتزام بمتطلبات المسار الدراسي والحضور إلى حجرات الدرس بانتظام.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن من الأسباب الصارخة والتي لا يمكن إخفائها عن أحد خاصة في السنوات الأخيرة هي ظاهرة الاكتظاظ التي تعرفها معظم المؤسسات التعليمية ببلادنا وهي حمى تعرفها معظم مؤسسات التعليم العمومي بسبب النقص الحاد في الأطر التربوية مما يدفع عددا من التلاميذ نحو الهدر المدرسي، حيث وجد عدد من التلاميذ أنفسهم في الشارع بعد رفض المؤسسات التعليمية استقبالهم ورصد أبوابها في وجههم. وكما ذكرنا آنفا، فلا يمكن حصر جميع الأسباب، لكننا يمكن أن نلتمس جلها من خلال الحلول المقترحة التالية، كما أنه لابد للأمة ككل أن تتحلى بروح المسؤولية وتتصدى لأخطار هذه الآفة التي استفحلت في المجتمع منذ عقود، ويكفي أن نضرب مثالا ببعض الأرقام منذ سنوات مضت لنرى جميعا حجم خطورة هذه الآفة وما قد تأدي إليه من تخلف فكري وتقهقر اقتصادي واجتماعي وثقافي. فمن بين الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية، والتي أجريت خلال سنة 2008 أن أكثر من 300.000 ألف تلميذ وتلميذة من الفئة العمرية (6-15سنة ) ينقطعون سنويا عن الدراسة، هذا الأمر الذي يتسبب في تأخر التعليم من جهة، وفي الرفع من نسبة الأمية من جهة ثانية، والتي تصل نسبتها إلى حوالي 34% حسب الإحصائيات الرسمية، بينهم أكثر من مليون طفل يتراوح عمرهم 9 و14 خارج المدرسة لا يعرفون القراءة والكتابة.

كل هذا يجعل بلادنا تحتل مراتب متدنية في مؤشرات التنمية البشرية بالرغم من المجهودات المبذولة (عن د. عبد العزيز رشدي في مقاله: ظاهرة التسرب المدرسي: أسباب وحلول). علما بأن الأرقام في ارتفاع متزايد، مع كامل الأسف، والأمر يستدعي تظافر جهود وطنية صادقة من جميع الأطراف يتم من خلالها الإجماع على خطط استراتيجية شامة (Holistic Strategic Plan) ، يتم من خلالها معالجة المشاكل المؤدية الى تلك الآفة، وعدم الاتكال على الحلول الترقيعية التي سرعان ما تنتهي صلاحيتها لتعود منظومتنا التربوية والتعليمية إلى نقطة الصفر، علما أن الحلول الترقيعية أو الظرفية المحدودة هي التي طالما دفعت بدول نامية كثيرة الى التخبط في مشاكل البطالة والهدر المدرسي والتخلف الفكري وتنامي العنف واستفحال الجريمة، مما يجعل شعوبها تعاني من أوضاع اقتصادية متردية لا تسمح بتوفير تكاليف التعليم، وتعاني أنظمتها التعليمية من الجمود والتخلف وعدم كفاءة الموارد البشرية لتسد حاجيات سوق العمل. ولاشك أن لتلك الأسباب كلها ولظاهرة الهدر المدرسي أيضا انعكاساتها الخطيرة على المجتمع ككل، ناهيك عن كونها دائرة سوداء تحجب عن المجتمع رؤية نور المعرفة الحقيقي وإشعاعه، كلما اتسع قطرها زادت معه مخاوف اتساع رقعة الأمية وضعف مردودية الإمكانيات البشرية والتدني والتدهور الأخلاقي واندثار التحلي بالأخلاق الفضيلة والتقاعس عن الإحسان وفعل الخيرات. وكأحد المهتمين بقضية الإصلاح التربوي والتعليمي أرى أنه من الواجب الديني والأخلاقي والوطني المشاركة بمقترحات متواضعة، لعل الله تعالى أن يكتب لنا ولمن عمل بها الأجر، وأملنا جميعا أن نرى بلدنا هذا في ازدهار وتقدم ورقي بقيادة مولانا أمير المؤمنين الملك محمد السادس أطال الله في عمره وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، وأن نرى مدارسنا تتألق في خدمة الطالب وتنويره على النحو الصحيح حتى يكون عضوا صالحا وفعالا في المجتمع:

*الاهتمام بما توصلت إليه وزارة التعليم من توصيات وقرارات وتفعيلها بالشكل السليم.

*الاهتمام بما توصل إليه المجلس الأعلى للتعليم من توصيات مبنية على دراسات واستشارات من جهات مختصة، والعمل على تنزيل تلك التوصيات على أرض الواقع وبالشكل المهني المتقن.

*إعادة النظر في عملية تأهيل المدارس العمومية الحالية وجعلها فضاء مريحا وتزويدها بأحدث المواصفات العالمية والتقنيات والأجهزة والمرافق والمحافظة على الطراز الاسلامي المغربي الأصيل ليضل مرتبطا بهوية الطالب، مما يجعل أفئدة الطلاب أو التلاميذ تهوي إلى تلك المدارس وتهفوا إلى ولوج أسوارها بدون تردد.

*التركيز على البرامج التحسيسية الداعية إلى الأخلاق الحميدة والإحسان، والرامية إلى تهذيب النفس، والحث على ضرورة المحافظة على ممتلكات المؤسسة التعليمية وجميع الدوائر والمؤسسات الأخرى كجزء من ممتلكات الوطن.

*إتاحة الفرصة للتلاميذ أو الطلاب والطالبات ليقوموا هم بأنفسهم بأنشطة يدوية تخدم مدرستهم كغرس الأشجار والنباتات ودهن الجدران ورسم اللوحات وغير ذلك ليكون زينة للمدرسة، وبذلك سيضل هذا العمل راسخا في ذهن الصبي مدى الحياة ويشعره بأنه عنصر فعال في هذا المجتمع الذي يقدر ويحتفي بمجهوده، فلا يمكنه أبدا أن يحطم أو يعبث بما غرسه أو زينه هو نفسه وبيديه وأنامله الصغيرة، فتنمو معه غريرة المحافظة على الممتلكات ولن يحتاج بعدها إلى رادع يحثه على ذلك.

*إعادة المجد للمدرسة العمومية المغربية والرفع من معنويات المدرسين ماديا ومعنويا حتى تصبح وظيفة المدرس يحسد عليها.

*إيجاد حلول ناجعة وسريعة للتخفيف من معاناة المدرسين فيما يخص السكن والمواصلات، وذلك بخلق مشاريع سكن يستفيد منها منسوبي التعليم وذلك بثمن رمزي، وكذلك تغطية تكاليف المواصلات بشتى الأساليب تخدم مصلحة المدرس ولا تكلفه الكثير. فلا يمكن أن نتوقع نتائج مشرفة مادام المدرس يحر كل يوم إلى حجرة الدرس أذيال التعاسة والبؤس ومعاناته مع نوائب الدهر وقسوة الحياة المعاشية فيصبح كالطير على الغصن لا ندري أهو مغرد فرحا أم حزنا.

*إعادة النظر في عملية بناء المدارس الجديدة وجعلها تخضع إلى نظام تشاركي تساهم فيه الجمعات المحلية والمنظمات والشركات الكبرى ليكون مشروعا وطنيا بدلا من أن يبقى دائما عبئا على وزارة التربية والتعليم وحدها.

*تقريب المدرسة العمومية من التلاميذ والآباء مسافة وعاطفة، بحيث لا تبقى معزولة (وخاصة في العالم القروي)، وربط قلوب الآباء وأولياء التلاميذ بالمدرسة وذلك بإشراكهم في بعض الأنشطة والقرارات المتخذة، وتحفيزهم بجوائز ومسابقات وغير ذلك، حتى يصبح الآباء جزءا من العملية التربوية والتعليمية من متابعة لما يجري في مدرستهم وتهذيب لنفس أبنائهم وتشجيعهم على التحصيل الفكري وتوجيههم التوجيه الصحيح فيما يخص المسارات التعليمية داخل وخارج المدرسة، بحيث لا تبقى المدرسة في معزل عن الناس لا يلجها إلا من هو طالب وله رقم تسلسلي بها.

*فتح أبواب المدارس في الفترات المسائية وعطلة نهاية الأسبوع والعطل الرسمية لتكون مراكز تدريبية للعمال والإداريين الراغبين في التدريب المصاحب أو للحصول على شهادات أعلى وتطوير الذات، وفتح باب التطوع بتلك المدارس لبرامج محو الأمية وأنشطة الشباب الرياضية والترفيهية. وإن وجد مسرح بفناء المدرسة، فلا بأس من استغلاله في أوقات الفراغ أو الفترة المسائية لإحياء نشاط أو حفل يخدم المواطنين سواء من طرف جمعيات المجتمع المدني أو الجمعيات الخيرية. في إطار التعاون والتشارك مع التأكيد على احترام حرمة وممتلكات المؤسسة عبر عقود ومواثيق ملزمة.

*خلق برامج تحسيسية مدرسية يساهم فيها الإعلام العمومي وحملات أمنية دائمة لمنع العادات السيئة وبيع المخدرات حوالي حرم المدارس والجامعات والأحياء، والتنبيه على مخاطرها والتشديد على العقوبات لكل من تسول له نفسه بإفساد أبناء الوطن وصغاره والعبث بصحتهم ومستقبلهم.

*إعادة النظر في بعض مناهج التدريس لكي تتماشى مع متطلبات الوقت الحاضر وتتماشى مع طرق التدريس الحديثة الرامية إلى جعل الطالب محور العملية التعليمية بمقررات مشوقة تخاطب قدراته الفكرية التفاعلية وتفتح له آفاق الخيال والابتكار.

*محاولة التواصل الدائم مع الآباء والأسر الفقيرة والمعوزة وتقديم العون لهم والرفع من معنوياتهم وإقناعهم بضرورة مواصلة التعليم لأبنائهم مما فيه من خير لهم وللأسرة والجماعة وللوطن.

*إعادة الدور المحوري للمدرسة العمومية في الربط بين السلطات والجهات المعنية وأولياء التلاميذ وذلك من أجل الحفاظ على المقومات الثقافية للأمة وهوية المجتمع لتبقى بذلك المدرسة العمومية داخل الحي رمز للإشعاع الفكري والحضاري.

*تشجيع جميع أولياء التلاميذ ومؤسسات المجتمع المدني للحفاظ على موروثنا الثقافي بجميع أطيافه اللغوية وألوانه الفلكلورية كجزء من مكونات هذا الوطن، وعلى فعل الخير وإحياء خصلة الإحسان في المجتمع لانقاد أبناء الوطن المحتاجين والذين هم عرضة للانقطاع عن التمدرس لأسباب مادية أو اجتماعية محضة.

والله ولي التوفيق،،،

*رئيس مركز اللغة الإنجليزية، مستشار
abdul14v2@yahoo.com









ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع تربية بريس ©2014