آخر الأخبار

هل يضع قانون الإضراب قواعد ممارسة نقابية حقيقية؟

تُسابق الحكومة المغربية الزمن لإخراج مشروع القانون التنظيمي المتعلق بممارسة النقابات للحق في الإضراب، والذي أعده وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية، عبد السلام الصديقي، مؤكدة أن هدفه تكريس الحرية النقابية، وتدعيم الأدوار الهامة التي تضطلع بها المنظمات النقابية للأجراء.

ووسط تفاؤل الحكومة التي تؤكد أن القانون سيعطي للنقابات الفرصة الحقيقية لتأطير الشغيلة، والدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، والمساهمة في التحضير للسياسة الوطنية في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، وكذا تكريس الحرية النقابية، فإن النقابات العمالية أبدت مخاوفها من هذا القانون، متوجسة من مدى وضعه لشروط تسمح بالممارسة النقابية دون عرقلة هذا الحق الدستوري.

ورغم ما وصفته هذه النقابات من "انفرادية" للحكومة في إعداد هذا المشروع، فإن وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية أكد أن السلطة التنفيذية ارتأت توسيع دائرة الاستشارة بشأنه مع المنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء، من أجل التوافق حول مضمونه قبل وضعه لدى قنوات المصادقة.

المعايير الدولية

يقوم المشروع الحكومي، بحسب الصديقي، على احترام المعايير الدولية؛ وفي مقدمتها "حق أصحاب العمل والعمال، على حد سواء، ودون ترخيص سابق، في تكوين منظمات يختارونها بأنفسهم، وكذلك الحق في الانضمام إليها شريطة التقيد بالأنظمة الأساسية لهذه المنظمات"، مضيفا إلى ذلك حق المنظمات المهنية في وضع قوانينها وأنظمتها، وانتخاب ممثليها بكامل الحرية.

وتؤكد الحكومة في مشروعها على "عدم تدخل السلطات العمومية، أو أي جهة كانت، بشكل يقيد هذا الحق أو يعيق ممارسته المشروعة، وتمتيع العمال بحماية كافية من كل عمل ينطوي على التمييز في مجال الاستخدام بسبب الانتماء النقابي".

وتتمثل المبادئ الأساسية التي يجب مراعاتها عند تنظيم الحق النقابي، بحسب المشروع الحكومي، في "بيان مصادر تمويل النقابات المهنية، ومراقبة صرف الدعم المقدم من طرف الدولة، إضافة إلى حماية الحق النقابي وتقديم التسهيلات لممارسة العمل النقابي"، مع ضرورة بيان مختلف الأعمال الاجتماعية التي يمكن للنقابات المهنية القيام بها لفائدة منخرطيها.

الابتعاد عن منطق الأغلبية والمعارضة

الدكتور محمد طارق، أستاذ القانون الاجتماعي بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، يرى، في تصريح لهسبريس، أن "النقاش حول إخراج القانون المنظم للنقابات يتطلب، قبل وضعه في مسار التشريع الذي يعتمد بالأساس على منطق الأغلبية العددية للحكومة، البحث عن التوافق حوله والتشاركية"، منبها الحكومة إلى ضرورة "أن تعمل على خلق لجنة وطنية متعددة التركيبة للحوار حول القانون المنظم للنقابات، مكونة من الحكومة والنقابات والمشغلين وممثلي مؤسسات الحكامة والخبراء".

ولنحاج القانون، يشدد الأستاذ المتخصص في الشأن النقابي على أهمية "إطلاق مشاورات جدية في إطار الحوار الاجتماعي حول مقتضيات القانون مع النقابات المهنية للمشغلين والأجراء"، مع "استشارة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مضمون القانون، وفتح المجال للنقاش المجتمعي العمومي حول الموضوع".

وجوابا على سؤال الجريدة حول "كيف يستطيع القانون التنظيمي للإضراب الحفاظ على الحق في الإضراب ومراعاة استمرارية المرفق العمومي؟ أبرز طارق أن "حق الإضراب من الحقوق الأساسية للشغيلة ولمنظماتها تَكرَّس بعد نضالها على المستوي الدولي والوطني"، واستند إلى المعطيات الرسمية للتأكيد على ممارسة الشغيلة المغربية لهذا الحق.

فخلال سنة 2014 تم تسجيل ما مجموعه 289 إضرابا بـ 239 مؤسسة إنتاجية في القطاع الخاص؛ بمعدل 18 ألفا و752 أجيرا مضربا، وهو ما نتج عنه ضياع 220 ألفا و927 يوم عمل، وتتضاعف هذه الأرقام في القطاع العام.

في هذا الصدد، يؤكد الأستاذ الجامعي أن "إصدار مشروع قانون تنظيمي متعلق بشروط وإجراءات ممارسة حق الإضراب هو تعبير عن إرادة سياسية حقيقية تهدف إلى وضع إطار قانوني"، مشيرا إلى أهمية ضمان كل أطراف العلاقة المهنية والاجتماعية معرفة حقوقهم والوقوف عند التزاماتهم، خصوصا وأن موضوع هذا المشروع مرتبط أساسا بالمادة الاجتماعية.

"يصعب على واضع النص القانوني أن ينظر بمنظار قانوني صرف، بل يلزمه أن يعمل المقاربة الاجتماعية في صياغة المادة القانونية"، يقول طارق الذي اعتبر أن "المنظار القانوني الصرف للإضراب من شأنه عدم الوقوف عند خيوطه الرئيسية".

الباحث في الشأن النقابي حذر من أي "تدخل لتقييد الحق في الإضراب أو الحد منه وفق مبادئ وقواعد القانون المدني ونظرياته أو وفق نصوص القانون الجنائي"، مبرزا أنه "تدخل يعمل على الإخلال بالتوازن الذي يأتي الإضراب لإقراره".

واختتم المتحدث نفسه تصريحه للجريدة بتأكيد أن "الحديث عن تنظيم الإضراب يستوجب توفير شروط أساسية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، وعلى المستوى السياسي"، مشددا على ضرورة "أن يكون تنظيم هذا الحق عنصرا ضمن عناصر أخرى تستهدف توفير مناخ للعلاقات الاجتماعية والمهنية يكون مطبوعا بالاستقرار والثقة والمسؤولية، لأن من شأن إخراج القانون التنظيمي للإضراب، في غياب إقرار الحقوق والحريات الأساسية للأجراء، أن يعتبر آخر مسمار يدق في نعش العمل النقابي بالمغرب".

عن موقع هسبريس









ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع تربية بريس ©2014