آخر الأخبار

ويستمر جلد المشاهد برداءة الإنتاج التلفزيوني !

اسماعيل الحلوتي

     في دائرة شبه مغلقة، تنظم انتخابات، تصاغ برامج وترفع شعارات، وعلى المقاس تتشكل حكومات. تؤدي أدوارها داخل حدود حمراء، ثم ترحل. تظهر أخرى، تعطى وعود بالإصلاح ويتم التنصل منها. تزداد الأوضاع تدهورا، تتبخر آمال وأحلام المواطنين، فيجدون أنفسهم تائهين في دوامة الإحباط، دون أن يتحسن حال البلد وأحوالهم. وبدوره، لا يشذ التلفزيون المغربي بمختلف قنواته، عن قاعدة الجمود والتردي، طالما أن العنوان الأبرز الملازم للإنتاج التلفزيوني، هو الرداءة في أبهى تجلياتها...
     فعلى مدى زهاء ثلاثة عقود، حين كان الراحل إدريس البصري يجمع بين وزارتي الداخلية والإعلام، أمر الملك الحسن الثاني رحمه الله بضرورة تطوير الإعلام المرئي، وأسندت مهمة إنجاز المشروع إلى مهندس فرنسي يدعى "أندري باكار"، الذي أقدم على وضع تصور جديد تحت شعار "التلفزة تتحرك"، يحدد بموجبه ما ينبغي أن يكون عليه العمل الإعلامي التلفزيوني، لتحقيق رغبة السلطات في جعل المغرب ضمن الدول الحديثة. لكن التلفزيون، استمر يسارع الزمان في الاتجاه المعاكس نحو الإفلاس المبين، لما يبثه من أعمال تافهة ومقززة، تبعث على الاشمئزاز والغثيان...
      وكلما دنا موعد رمضان الأبرك، إلا ووجدنا قنواتنا التلفزيونية منشغلة بالنفخ في شبكات برامجها، تراهن على رفع نسبة المشاهدة والاستحواذ على النصيب الأوفر من عروض الإشهار، لضمان مضاعفة مداخيلها، بدل البحث عن السبل الكفيلة بشد انتباه المتلقي والتصالح معه، عبر انتقاء أعمال جيدة تضاهي أرفع الإنتاجات التلفزيونية العربية، مادام المغرب يزخر بكفاءات فنية جد محترمة في شتى مجالات الخلق والإبداع. بينما يستمر المشاهد يطارد اليأس ويمني النفس بالجديد المفيد، متطلعا إلى ما قد يحمله له موسم الصيام من "شهيوات"، تنتشله من بين فظاعة التهميش ومرارة الغلاء الفاحش. بيد أنه سرعان ما يصاب بالخيبة، حين يصطدم بوجبات فرجوية رديئة تعمق جراحه، وتساهم في تكريس أزمة الإنتاج الوطني، رغم ما يرصد لها من اعتمادات مالية ضخمة، فيغير وجهته مرغما إلى قنوات عربية أخرى.
     والتلفزيون، أداة تثقيفية وترفيهية، يفترض استثماره في النهوض بالرأسمال اللامادي أكثر من غيره، وأن يعمل على دعم جهود المدرسة في توعية المتعلم والارتقاء بذوقه وفكره، حتى يكون مواطنا صالحا، يتفاعل مع مجتمعه وينخرط في تنميته. إلا أن ما يستغرب له حقا، هو أنه في ظل ارتفاع الأصوات المنددة بضحالة المنتوج الوطني الرمضاني، هناك جهات أخرى تقول بوجود إحصائيات مخالفة، وتدعي أنه استطاع تحقيق نسب مشاهدة عالية، وكأننا نعيش بين أفراد شعب آخر غير الشعب المغربي، المعروف بحسه الفني وذكائه المتقد...
     فرغم ما أثير من جدل حول إصلاح الإعلام العمومي، لاسيما بعد قدوم حكومة "الفقيه" بنكيران، التي بدت مصرة أكثر من سابقاتها على تعديل "دفاتر تحملات القنوات العمومية"، بما يخدم مصالح الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" ذي المرجعية الإسلامية، محاولة فرض هيمنتها الرقابية والحد من الحريات، استمر إعلاميو القطاع متشبثين برؤيتهم المتمثلة في ضرورة استقلالية الإعلام، غير أن المراقبين يرون ألا مجال لتنفيذ الإصلاح ما لم يمر عبر إجراءات تشريعية ومؤسساتية، فيما يبقى الخاسر الأكبر من معركة شد الحبل بين الحكومة والقائمين على القطاع العمومي، هو المواطن المغربي على مستويين: الاقتطاع الضريبي القسري، وعدم الاستفادة من برامج تلبي رغباته...
     وككل رمضان، يتجدد النقاش حول جديد الإنتاج الوطني في البيوت وخارجها، ويمتد إلى الفضاء الأزرق بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث التعاليق طافحة بالانتقادات اللاذعة على ما تقدمه القناتان الأولى والثانية من أطباق فكاهية ودرامية، وتجمع كلها على بشاعة طعمها وما تحدثه من عسر الهضم. ولعل ما يؤكد ذلك، أن القناة الثانية سارعت إلى الاستنجاد بإعادة سلسلة "الكوبل" في  وقت الذروة، بعدما ظلت تعتقد أن ما توافر لديها من إنتاج رمضاني، كفيل بإشباع "جوع" المشاهدين وإرضائهم...
       عار علينا أن يتواصل جلد المشاهد بإنتاج وطني، أريد له أن يكون مغرقا في الابتذال والعبث، حيث معظم الأعمال بلا معنى ولا محتوى ولا هدف، سوى أنها تثير الغيظ  وترفع نسبة السكر في الدم، باستثناء بعض الإشراقات المنفلتة والجد محدودة، مما لا يعكس حقيقة الزخم الهائل من الطاقات والمواهب، ذات الإمكانات الإبداعية العالية والشهرة العربية، التي تتوفر عليها الساحة الفنية ببلادنا. ترى من المسؤول عن هذا الاعتداء السافر على المشاهدين والإساءة إليهم؟ أهي لجن القراءة الخاضعة للتعليمات؟ أهم المستشهرون والمنتجون الذين يفرضون شروطهم؟ تساؤلات عدة، تجعلنا نشكك في قدرة وزير الاتصال مصطفى الخلفي على تحمل مسؤولياته، وتطبيق الحكامة الجيدة في النهوض بالقطاع. وجدير بالذكر، أنه سبق لنا كغيرنا إبداء الرأي حول ضعف مستوى الإنتاج التلفزيوني الرمضاني، وتداعياته النفسية العميقة على جمهور المشاهدين، لاسيما منهم فئة الأطفال. لكن، يبدو ألا حياة لمن تنادي، ومع ذلك سنستمر في طرق الباب دون كلل ولا ملل، إلى أن يبزغ فجر الأمل.
     ففي رأينا المتواضع، نعتقد أن بؤس إنتاجنا الوطني، يعود بالأساس إلى العقلية البائدة للمسؤولين، الذين يتحكمون بمزاجية في إعداده ويشرفون على تصويره، بنوع من الارتجال والعشوائية الفادحين، وانعدام الشفافية في إبرام الصفقات وتفويت الأعمال إلى شركات إنتاج بعينها، واعتماد نفس الممثلات والممثلين، بناء على منطق المحاباة والريع التلفزي، خارج حلبة التنافس الشريف.
     ومن باب التهكم، الادعاء بأن ما يعرض من أعمال رمضانية، يندرج في إطار دعم الإنتاج الوطني، بينما هي مجرد سخافات وعروض خالية في مجملها من أي بعد فني وجمالي، تستفز المشاعر، تحتقر الأذواق وتستخف بالذكاء، متحدية كبرياء المشاهد في عقر بيته، وهو الذي اكتسب من الحس النقدي الرفيع، ما يؤهله للقيام بالتحليل المنطقي والمقارنة الموضوعية، جراء ما باتت تختزنه ذاكرته البصرية من روائع الأعمال عبر القنوات الفضائية والأشرطة السينمائية...
     فأي عمل فني هذا الذي يساهم في ترسيخ "التضبيع" والتغريب، ويعتمد التهريج والأساليب النمطية، الساذجة والمفرطة في اللغو والزوائد على مستوى التشخيص، والتعبير الحركي، والحوار والإخراج... كما هو الشأن بالنسبة ل: "الخواسر"، "حمق"، "نايضة فالدوار"، "بين جوج"، "فالصالون"، وما إلى ذلك من "خزعبلات"، لا تضحك إلا أصحابها؟ هذا، فضلا عن الوصلات الإشهارية التي تضرب في العمق بعض القيم النبيلة، وعرض إعلانات تتجاوز مددها ما يليها من سلسلات هزلية  هزيلة.
     ومن المفارقات الغريبة، أنه خلافا لما تتعرض إليه المدرسة العمومية من هجمة شرسة واسعة، واعتبار المدرس المسؤول الرئيسي على تراجع المنظومة التعليمية وتدني مستوى التحصيل لدى المتعلم، يلبث التلفزيون في منأى عن المساءلة، اللهم إلا ما ارتبط برقصات "جنيفر لوبيز" وجسدها. وإذا ما قدر له الاستمرار على ما هو عليه من تسيب، فإنه سيصبح لا محالة من أخطر الوسائل تدميرا للقيم الإنسانية وإفسادا للسلوك والذوق، وأشدها فتكا باللغة العربية والهوية الوطنية.










ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع تربية بريس ©2014